بعد 77 عاماً من اعتراف تركيا بوجودِ إسرائيل كدولةٍ مستقلة، مرت علاقتهما بكثير من الفصول.. أسخنها جاء مع تولي حزب العدالة والتنمية زمامَ الحكم في تركيا، مطلع الألفية الجديدة.. أما ما قبل هذا التاريخ كانت العلاقات طبيعية، وكان التعاون الاقتصادي والاستخباراتي في ذروته.
ورغم المناكفات السياسية بين الجانبين في كثيرٍ من ملفات المنطقة، بقيت العلاقات التجارية مستمرة، إلا أن العشرية الأخيرة شهدت الفصل الأسوأ من العلاقات، خاصةً مع تبني الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مواقفَ معاديةً لإسرائيل، واتهامه حكوماتها بالإرهاب وارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين.
التحول الأبرز في العلاقات بين تل أبيب وأنقرة، سُلط عليه الضوءُ بشكلٍ كبير مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، في كانون الأول ديسمبر من عام 2024، إذ تحولت سوريا إلى ساحةٍ لبسط النفوذ، والكل ومن بينهم إسرائيل وتركيا يرغبون بحصةٍ من كعكة سوريا، التي خرجت لتوّها من حربٍ أهليةٍ استمرت 14 عاماً، تركت خلفها بلداً منهكاً، في جنوبه دولةٌ تخشى على أمنها وتخوض حرباً في قطاع غزة وجنوب لبنان، وفي شماله دولةٌ أخرى لها مطامعُ تاريخيةٌ في سوريا، وتسعى بشتى الوسائل لإحياء الإرث العثماني.
وهكذا عَلِقت سوريا بين أمرين أحلاهما مر، فمن جهة تطمح تركيا إلى استغلال سنوات دعمها فصائلَ مسلحةً سيطرت من خلالها على مقدرات المنطقة، فجاءت الاتفاقيات الثنائية بين الجانبين في عديد المجالات، لترسّخ أنقرة فكرةً قديمةً جديدة، مفادها أن لها في سوريا أكثرُ مما لغيرها.
ومن جهةٍ أخرى تسعى إسرائيل لتثبيت واقعٍ أمني جديد على حدودها مع سوريا، فتوغلت عدة كيلومترات، وسيطرت على مساحاتٍ واسعة من الجنوب السوري، وبات تواجدُ قواتها في مرتفعات جبل الشيخ، من المُسلَّم به وفق مراقبين، في ظل عجز الحكومة الانتقالية عن مواجهتها عسكرياً، وضعف موقفها دبلوماسياً على طاولة المفاوضات.
ومع احتدام التنافس بين تركيا وإسرائيل، لم يكن غريباً عند كثيرين، قصفُ إسرائيل مطارَ أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، في خطوةٍ وصفتها تقاريرُ إعلامية، بأنها أول استهدافٍ إسرائيلي مباشر وعلني، لمنع التموضع العسكري التركي المتنامي في سوريا، منذ سقوط نظام بشار الأسد.
ورغم نفي أنقرة ودمشق لأي تواجدٍ تركي في المطار، أكدت هيئةُ البث الإسرائيلية أن تل أبيب تعتبر التكنولوجيا العسكرية التركية المتطورة في سوريا خطاً أحمر، مشيرةً إلى أن الضربة جاءت بناءً على معلوماتٍ استخباراتية إسرائيلية، تفيد بنيّةِ تركيا نشرَ أنظمة رادارٍ متطورة، ومنظومات دفاع جوي، وطائراتٍ مسيرة يشغلها جنودٌ أتراك داخل المطار.
ومنذ سقوط النظام السابق، استباحت إسرائيل عديد المرات الأجواءَ والأراضي السورية، وقصفت عدة مواقع في عمق الجغرافيا السورية، شملت غاراتٍ جويةً ركزت على قواعدَ ومستودعاتٍ عسكرية، في بادية تدمر وقاعدة T4 الواقعة بريف حمص الشرقي.
وجاءت هذه الضربات في وقتٍ كانت ترصد فيه الاستخباراتُ الإسرائيلية، دراسة أنقرة ودمشق إمكانيةَ استخدام هذه القواعد، لتعزيز حضورٍ مشترك يربط شمال سوريا بوسطها وباديتها، وهو ما اعتبرته تل أبيب محاولةً لتوسيع ما وصفته بالنفوذ التركي جنوباً.
الولايات المتحدة حليفةُ أنقرة في الناتو، وحليفةُ إسرائيل الاستراتيجية، تسعى بدورها لرأب الصدع بين الطرفين، وتحاول تقريب وجهات النظر بينهما، في ظل مساعيها لخفض التصعيد في المنطقة، إلا أن الأسئلةَ التي تُطرَح في تركيا الآن هي، متى سترد أنقرة على استهدافات إسرائيل المباشرة لمخططاتها في سوريا؟ وهل ستكتفي بالردود الدبلوماسية أم أنها سترد بالمثل، وهل سيكون الرد مباشراً أم غير مباشر.. أم أنها ستلتزم الصمت وكأن شيئاً لم يكن؟
إجابات الأسئلة هذه معلقةٌ الآن، وربما ستبقى معلقةً إلى حين، لكن ما يعلمه الجميع، وفق مراقبين، أنه إن حصلت مواجهةٌ عسكرية بين الطرفين، فلن تكون سوريا بمنأًى عمّا سيحصل بينهما، وربما سيدفع السوريون الجزءَ الأكبر من فاتورتها.
