الفن والسلاح صنوان لا يفترقان، بيد أن أحدهما يولد من رحم المعاناة ليبعث الروح بالحياة ويعيد للزمن عافيته، والآخر يطلق الرصاصة ليعيد للأرض حريتها ويلبسها الفخر والعزة، لكن شتان بين شجا الأنغام وأزيز الرصاص، بين عذوبة الألحان وبين صورة الدمار.
فالفن عند الشعب الكردي جزء لا يتجزأ من تاريخ نضاله التحرري، فحكاية الموسيقا في بلاد الكرد مرتبطة بكل طلقة وكل ثورة تفجرت في جبال كردستان وسهولها.
ولعل أول ما يتبادر إلى الأذهان عند الحديث عن الفن والموسيقا وعلاقتهما بالكفاح والنضال، هو أسطورة الغناء الكردي الفنان الراحل محمد شيخو، الذي جسد في كل نغمة على وتر ألم ومعاناة شعبه الذي ما زال يكافح من أجل نيل حريته.
يعتبر الفنان محمد شيخو من الفنانين الكرد الذين ترجموا القول إلى عمل، لكنه كان أكثر إصراراً من غيره بأن يهب حياة النضال إلى أبناء قومه عبر حنجرته الحزينة بكآبة أغنيته المعروفة “أي فلك” Ey felek وهو مدرك تماماً لحقيقة المقولة التي تقول لا أصدقاء للكرد سوى الجبال.
[lazy-load-videos-and-sticky-control id=”f-YwRgpWsFE”]
حياة الفنان الراحل لم تكن مخملية كمثل الكثير من الفنانين، بل إنها تروي مأساة أمة عانت الكثير من الظلم والاضطهاد والقهر والفقر والحرمان، حياة تعجز كلمات أي لغة أن توفيها حقها حتى لو كتبت فيها عشرات المقالات أو المجلدات.
أحبَّ آلة الطنبور وتعلق بها وبرع بالعزف عليها، فبعد انتقاله إلى مدينة قامشلي لإكمال دراسته الإعدادية تعرف خلال تلك السنوات على فنانين كبار أمثال الراحل آرام ديكران وغيره من الفنانين، إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة حالت دون إكمال دراسته فعاد إلى القرية مجدداً ليساعد والده في الزراعة متحدياً صعوبة الحياة بقوة جبارة وعزيمة لا تلين.
من قرية خربي كرما انطلقت مسيرته الفنية بروح أمته المتعطشة إلى الحرية غير مبالٍ بما يعرقل طريقه سواء من قبل الأجهزة الأمنية أو من الظروف المعيشية الصعبة التي كان يعانيها الفنان كبقية أبناء الشعب الكردي.
لم يتوانَ محمد شيخو عن مشاركة الكرد أتراحهم وأفراحهم، حيث إنه كان يحي حفلات نوروز في القرى الكردية بشكل سري، بسبب ملاحقة الأجهزة الأمنية لأي أنشطة كردية، لذا قرر الرحيل إلى لبنان التي كانت تنعم ربوعها بالحرية نوعاً ما.
يبدو أن الأقدار كانت تلاحق الفنان محمد شيخو أينما حل به الترحال، فبعد مكوثه في لبنان لسنتين، اندلعت الحرب الأهلية في هذا البلد مما أجبره على اتخاذ قرار العودة إلى بلده وتأسيس فرقة موسيقية لكن تدخل السلطات الأمنية السورية حال دون نجاحها، فقرر هذه المرة التوجه شرقاً حيث العاصمة العراقية بغداد.
بعد اتفاقية الجزائر المشؤومة، وفشل الثورة الكردية في العراق، توجه الفنان الراحل إلى كردستان إيران برفقة جمع من البيشمركة، فزار مدينة مهاباد التي شهدت إعلان أول جمهورية كردية في أربعينيات القرن الماضي، وقدم فيها أغنيته الشهيرة “من مهاباد منبع الشهداء” لكن هذا الأمر لم يرق للمخابرات الإيرانية، فنفته إلى منطقة قريبة من بحر قزوين على حدود أذربيجان.
عاد محمد شيخو إلى الوطن مجدداً، وكانت العودة الأخيرة، حاربته الأجهزة الأمنية في لقمة عيشه، وعملت على إغلاق محل التسجيلات الخاص به بالشمع الأحمر.
صبر الفنان الكبير على واقعه المرير وتجرَّع الألم والحرمان لعل الغد أجمل، عاش فقيراً ومات غنياً، غنياً بشعره، بفنه بعشقه لمحبوبته كردستان، غنياً بمحبة شعبه وحبه له.
في التاسع من آذار عام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين، أودع الفنان الراحل روحه المعطاءة ليكون جزءاً لا يتجزأ من مسيرة شعب لا ينتهي.
وري جثمانه الطاهر في مقبرة الهلالية بقامشلي وبحضور جماهيري منقطع النظير وعلى وقع أغنيته “إذا ما متُّ أيها الأحياء، لا تدفنوني كما موتاكم، احفروا قبري في ظلال الجبال ولتكن شاهدتا قبري جديلتان، كلّما يحين آذار فلتوقظوني، لأعتصر الألم لكم بصوتي”. أغنية كافا أز مرم
إعداد: عبد الرحيم محمد
