تسابق مصر الزمن لإطفاء الحرائق في المنطقة، وعدم الانجرار إلى حروب لا نهاية لها، والأهم إبقاء القضية الفلسطينية حية، وعدم السماح لا بتهجير الفلسطينيين، ولا بتصفية القضية المركزية للمنطقة؛ وذلك إيمانًا منها بأن لا شرق أوسط جديد دون إقامة دولة فلسطين.
ولقد كان من السهل، في خضم الحروب والضربات المتبادلة التي عصفت بالشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، أن يتكرر الحديث عن ولادة “شرق أوسط جديد”. لكن السؤال الأكثر واقعية ربما هو: هل نحن بالفعل أمام شرق أوسط جديد، أم أمام شرق أوسط قديم بخرائط قوة أكثر اضطرابًا، وجروح أعمق، واستعداد أكبر للانفجار؟
المؤشرات الحالية لا تبدو مشجعة على التفاؤل؛ فالشرق الأوسط الذي سوف يخرج من دوامة الصراع قد لا يكون مختلفًا بصورة جوهريّة عن ذلك الذي دخلها. فالولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان إضعاف خصومهما بالقوة العسكرية، وتدمير منشآت، واغتيال قيادات، وإعادة رسم بعض الحسابات التكتيكيّة، لكن القصف وحده لا يستطيع أن يبني نظامًا إقليميًا أكثر استقرارًا. الحروب قد تغير مواقع اللاعبين، لكنها لا تلغي المصالح التي دفعتهم إلى الصراع. وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
إذا انتهت الحرب بوقف لإطلاق النار من دون معالجة الأسباب العميقة للصراع، فإن ساعة الحرب المقبلة ستكون قد بدأت بالفعل في اللحظة التي تتوقف فيها المدافع. فغياب التحول الجوهري في ديناميات المنطقة ومصالح القوى الإقليمية يعني أن أي هدنة قد تتحول إلى مجرد فترة لإعادة ترتيب الأوراق، وإعادة بناء القدرات، وانتظار الفرصة التالية. السلام لا يصنعه إنهاك الخصوم، بل تغيير قواعد اللعبة.
والشرق الأوسط الذي يستحق فعلًا وصف “الجديد” يحتاج قبل كل شيء إلى دول أكثر قوة وقدرة على احتكار القرار والسيطرة على أراضيها. فالعراق ولبنان وسوريا واليمن، على اختلاف ظروفها، تواجه جميعًا بدرجات مختلفة مشكلة الدولة الهشة، حيث تتعدد مراكز القوة، وتتداخل الدولة مع الفاعلين المسلحين، وتصبح الحدود الوطنية أقل قدرة على حماية القرار السيادي. وفي النهاية، لا تستطيع الدول الضعيفة أن تصنع سلامًا مستدامًا.
لكن بناء دول قوية لا يعني بالضرورة القضاء على كل القوى غير الحكومية بالقوة. إنه يعني إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الشرعية السياسية، وخلق اقتصادات قادرة على توفير فرص العمل والتنمية، وإقامة نظم إقليمية تجعل التعاون أكثر فائدة من الصراع.
وفي المقابل، من الصعب تصور شرق أوسط مستقر مع استمرار قدرة القوى الإقليمية والخارجية على استخدام الميليشيات كأدوات نفوذ. وستظل إيران، على الأرجح، لاعبًا مركزيًّا في هذه المعادلة. وحتى إذا تعرضت أذرعها الإقليمية للتراجع، فإن التراجع لا يعني بالضرورة الاستسلام أو التخلي عن مشروع النفوذ.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن النفوذ الإيراني ليس مجرد شبكة من التنظيمات المسلحة، بل منظومة إستراتيجية أوسع تقوم على مواجهة إسرائيل، ومقاومة النفوذ الأمريكي، واستثمار هشاشة بعض الدول العربية. ولذلك فإن إضعاف هذه الشبكات عسكريًّا لا يعني تلقائيًّا اختفاء الأسباب التي أدت إلى نشوئها.
بل قد يحدث العكس. إذا خرجت إيران من الحرب وهي تشعر بأنها أصبحت أكثر تعرضًا للخطر، فقد تكون لديها دوافع أكبر لتعزيز وسائل الردع لديها، بما في ذلك السعي إلى امتلاك قدرة نووية عسكرية إذا خلصت قيادتها إلى أن الضمانات التقليدية لم تعد كافية لحماية النظام. وهنا يمكن أن تتحول الحرب الحالية، بدلًا من أن تكون نهاية دورة التصعيد، إلى بداية سباق جديد للردع والتسلح.
أما الرهان على تغيير النظام في طهران من الخارج، فيبدو أكثر تعقيدًا. فالولايات المتحدة قد تستطيع توجيه ضربات قاسية، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تضمن ما سيأتي بعدها. والتاريخ الحديث للشرق الأوسط يقدم أمثلة كثيرة على الفارق بين إسقاط نظام سياسي وبين بناء نظام بديل مستقر.
ومن غير المرجح أن يكون إرسال قوات أمريكية برية إلى إيران هو الخيار الذي تستطيع واشنطن تحمله بسهولة. ولذلك يبقى الرهان على أن تؤدي الضربات وحدها إلى تغيير جذري في طبيعة النظام الإيراني رهانًا محفوفًا بالمخاطر.
وحتى إذا حدث تحول سياسي كبير داخل إيران، فإن السؤال الحقيقي سيظل: هل سيؤدي ذلك إلى تغيير سلوك الدولة الإقليمي، أم إلى إعادة إنتاجه في صورة مختلفة؟
وهنا، وفقًا للحسابات الدقيقة للدولة المصرية، نصل إلى العقدة التي لا يمكن تجاوزها: القضية الفلسطينية. لا يمكن بناء شرق أوسط مستقر مع بقاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بلا تسوية سياسية قابلة للحياة. فالأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يكون مستدامًا في بيئة إقليمية تقوم على الحروب المفتوحة، كما أن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم لا يمكن أن يظل مؤجلًا إلى أجل غير مسمى.
ولهذا فإن أي مشروع جدي لإعادة تشكيل المنطقة يحتاج إلى مسار دبلوماسي واسع، يحظى بدعم دولي وقبول إقليمي، ويضع تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في قلب عملية إعادة بناء النظام الإقليمي، لا على هامشها.
المشكلة أن إسرائيل تبدو أكثر قبولًا بفكرة الحرب الممتدة باعتبارها وسيلة لإدارة المخاطر، بينما يبدو أن الولايات المتحدة لا تزال تراهن بدرجة كبيرة على تفوق القوة العسكرية والردع. لكن الردع من دون أفق سياسي يتحول في النهاية إلى دورة متكررة من الضربات والردود.
ولهذا ربما يكون السؤال الخطأ هو: كيف نصنع شرق أوسط جديدًا؟، لأن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: كيف نمنع شرق أوسط اليوم من إنتاج حرب جديدة؟
فالشرق الأوسط لم يتغير بما يكفي حتى الآن. إيران أضعف، لكنها لم تتخل عن أهدافها الأساسية. وكلاء إيران تراجعوا، لكنهم لم يختفوا. إسرائيل أكثر قوة عسكريًّا، لكنها أكثر انخراطًا في حالة حرب شبه دائمة. والدول العربية الهشة لا تزال تكافح لاستعادة احتكارها للقرار الوطني.
هذه ليست ملامح نظام إقليمي جديد. إنها ملامح هدوء مسلح ينتظر لحظة الانفجار التالية.
وإذا لم تتحول القوة العسكرية إلى مشروع سياسي، وإذا لم تتحول الهدن إلى تسويات، وإذا لم تتحول الدول الهشة إلى دول قادرة، وإذا لم يجد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي طريقًا إلى حل سياسي حقيقي، فإن ما تسميه بعض الأدبيات “شرقًا أوسط جديدًا” قد لا يكون سوى اسم آخر لمرحلة جديدة من الصراع.
ويبقى أن العقود الأخيرة أثبتت أن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب أخرى كي يتغير. إنه يحتاج إلى تغيير يمنع الحرب التالية. وإلا، فإن السؤال لن يكون: هل ستأتي حرب أخرى؟ بل: متى؟
المصدر : الأهرام المصرية الكاتب : محمد صابرين
