تشهد سوريا منذ 12 سبتمبر 2026 موجة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات، هي الأكبر منذ عامين، وأعادت ملف الطاقة إلى واجهة النقاش العام ليس كمسألة خدمية، بل كمؤشر على هشاشة التوازن الاقتصادي الكلي للبلاد.
القرار الأخير للجنة الدائمة لتسعير المواد البترولية لم يكن تعديلاً هامشياً. فقد رفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية بزيادة 40%، وبنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة بزيادة 28%، وبنزين 90 من 147 إلى 185 ليرة، وأسطوانة الغاز المنزلي من 1470 إلى 1600 ليرة. وبالدولار الموازي – حوالي 132 ليرة للدولار – يصبح سعر ليتر المازوت حوالي 1.32 دولار.
لماذا يحدث هذا الآن؟
التفسير يتطلب قراءة على مستويين: داخلي وبنيوي دولي.
أولاً: الفجوة البنيوية – بلد نفطي يستورد الطاقة
المفارقة الأساسية التي يجب فهمها هي أن سوريا التي كانت تنتج 380 ألف برميل يومياً قبل 2011، أصبحت اليوم بحاجة تقدر بـ 300 ألف برميل يومياً من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي لا يتجاوز 100 ألف برميل يومياً. أي أن العجز يبلغ الثلثين تقريباً.
وزارة الطاقة أوضحت نقطة فنية مهمة غالباً ما تغيب عن النقاش الشعبي: وجود خام محلي لا يعني وقوداً جاهزاً. جزء من الخام السوري ثقيل ولا يتناسب مع قدرات التكرير المتاحة، فيتم تصديره واستيراد مشتقات جاهزة بدلاً عنه.
حاجة السوق اليومية من المازوت وحدها 7.72 مليون ليتر، منها 3.09 مليون إنتاج محلي و4.63 مليون مستورد، والبنزين 2.32 مليون ليتر، منها 775 ألف مستورد. هذا يعني أن أي اضطراب في التكرير أو الاستيراد يخلق أزمة فورية.
وهذا ما حدث: مصفاة بانياس، التي تشكل العمود الفقري للتكرير في سوريا، دخلت في عمرة شاملة تستمر شهرين، مما رفع حاجة الاستيراد الفوري للمشتقات الجاهزة.
ثانياً: السياق الدولي – أزمة مشتقات وليست أزمة خام
تبرير الوزارة بأن الارتفاع “لا يرتبط بسعر النفط الخام وحده” هو تبرير دقيق اقتصادياً. سوق المشتقات المكررة منفصل اليوم عن سوق الخام.
سعر خام برنت يدور حول 96-100 دولار للبرميل، لكن سعر طن المازوت عالمياً يقترب من 1400 دولار، وطن البنزين من 1350 دولاراً. الفارق هو ما يسميه خبراء الطاقة Crack Spread أو هامش التكرير.
هذا الهامش ارتفع عالمياً لثلاثة أسباب:
1. أزمة طاقات التكرير: بعد جائحة كورونا أغلقت مصافي كبرى في أوروبا وأمريكا، ولم يتم تعويضها. أي صيانة لمصفاة في المتوسط ترفع الأسعار فورا.
2. تكاليف الشحن والتأمين: اضطراب البحر الأحمر بسبب الحوثيين، والتوتر في مضيق هرمز، رفع كلفة شحن المنتجات النفطية 40-60% مقارنة بـ 2023، إضافة إلى ارتفاع أقساط التأمين على السفن المتجهة لشرق المتوسط.
3. العقوبات وسلاسل الإمداد: سوريا لا تشتري من السوق الفوري المفتوح كباقي الدول. بسبب بقاء جزء من العقوبات المالية وتعقيدات التحويل، فإن كلفة تأمين الشحنة أعلى من السعر العالمي بـ 15-25% كعلاوة مخاطرة.
باختصار:
سوريا تشتري أغلى أنواع الوقود – المكرر الجاهز – في أغلى توقيت – ذروة أزمة تكرير عالمية – عبر أغلى طريق – مع علاوة مخاطر سياسية.
ثالثاً: الأثر الاقتصادي والاجتماعي
هنا يكمن الجانب الأكثر حساسية. تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مقابل الثلث قبل 2011.
المحروقات في سوريا ليست سلعة استهلاكية، بل مدخل إنتاج لكل شيء:
– المازوت هو كهرباء المولدات، وري المزارع، وتدفئة المنازل، ووقود شاحنات النقل.
– زيادة 40% فيه تعني تلقائياً زيادة 10-15% في أسعار الخضار والنقل العام خلال أسابيع، كما لاحظ مراسلون ميدانيون.
الاحتجاجات التي اندلعت في حلب وقطع الطريق السريع دمشق – حلب وعرقلة شاحنات النفط المتجهة للمصافي هي تعبير اقتصادي أكثر منه سياسي.
مطلب المتظاهرين كما نقلته رويترز: “الشعب بده يرخص المازوت، ما بدنا يعلي الأجور”.
رابعاً: خيارات السياسة الاقتصادية – ما بين الدعم والاستدامة
أمام الحكومة السورية الحالية خياران كلاهما مكلف:
الخيار الأول: العودة للدعم الشامل. كان النظام السابق يدعم المازوت ليبيعه بـ 25% من كلفته. النتيجة كانت عجز موازنة مزمن وتهريب واسع. التجربة الدولية – من مصر إلى نيجيريا – تثبت أن الدعم المعمم غير مستدام عندما يكون ثلثا الاستهلاك مستورداً.
الخيار الثاني: التسعير المرن مع حماية مستهدفة. وهو ما تحاول الحكومة الجديدة تطبيقه عبر لجنة التسعير الدورية التي تراجع الأسعار صعوداً وهبوطاً حسب السوق. لكن هذا النموذج لا ينجح إلا إذا ترافق مع:
1. زيادة الإنتاج المحلي وإعادة تأهيل الحقول والآبار وخطوط النقل.
2. تنويع مصادر الاستيراد وتقليل الاعتماد على المشتقات الجاهزة لصالح الخام القابل للتكرير محلياً.
3. استهداف الدعم: بدلاً من دعم سعر المازوت للجميع، تحويل الدعم لمزارعي القمح والنقل العام والمخابز مباشرة، مع ترك سعر السوق الحر للاستهلاك الخاص
4. إنشاء صندوق استقرار للمحروقات يمتص الصدمات العالمية عند ارتفاع الهامش التكريري، ويمول من فرق السعر عند الانخفاض .
خلاصة موضوعية
أزمة المحروقات في سوريا ليست أزمة فساد محلي فقط، ولا أزمة حصار خارجي فقط. هي أزمة دولة خرجت من حرب طويلة بإنتاج نفطي منخفض، وبنية تكرير متهالكة، وتحتاج لتمويل استيراد يومي في سوق عالمي للمشتقات هو الأكثر اضطراباً منذ 2008.
الحل ليس في تثبيت السعر بالقوة، لأن ذلك يعني انقطاع المادة كما حدث في طوابير الانتظار 6 ساعات أمام المحطات في يوليو الماضي، ولا في تحرير السعر بالكامل دون شبكة أمان، لأن ذلك يعني انفجاراً اجتماعياً.
التوازن الواقعي هو ما أعلنته الوزارة نفسها: اعتبار الزيادة مؤقتة مرتبطة بعمرة مصفاة بانياس وتقلبات المشتقات عالمياً، مع مراجعة دورية للأسعار بعد عودة المصفاة للعمل.
الاقتصاد السياسي للطاقة يعلمنا أن الدول لا تخرج من أزمة محروقات بمرسوم تسعير، بل بإعادة بناء سلسلة القيمة: من البئر إلى المصفاة إلى خزان المستهلك.
الكاتب: د. شاهر الشاهر
أستاذ الدراسات الدولية
جامعة صن يات سين/ الصين
