مع أفول شمس السادس عشر من شهر كانون الأول ديسمبر عام ألفين وعشرة، لم يكن في ذهن أيٍّ من التونسيين أو المهتمين في الشأن التونسي، أن هذا البلد الإفريقي يمكن أن يشهد أيَّ شكلٍ من أشكال التحوّل الديمقراطي أو الانتقال السياسي، طالما بقي الرئيس زين العابدين بن علي على قيد الحياة، لكن عجلة التاريخ لا تعترف بالمستحيلات، والمتغيرات الكبيرة قد لا تحتاج جميعها إلى تخطيطٍ واستعدادات.
حادثة البوعزيزي تلهب الشارع التونسي

فمع صبيحة يوم الجمعة الموافق للسابع عشر من كانون الأول ديسمبر من العام ذاته، استفاق التونسيون على صدمةٍ هزَّت الأوساط السياسية والشعبية، بعد إقدام شابٍّ في منتصف العقد الثالث من العمر يدعى محمد البوعزيزي، على إضرام النار بجسده أمام المجلس البلدي في منطقة سيدي بوزيد بولاية القصرين، احتجاجاً على مصادرة السلطات عربةً كان يبيع عليها الفاكهة والخضار، وللتنديد برفض سلطات المحافظة قبولَ شكوى أراد تقديمها في حقِّ شرطيةٍ صفعته على وجهه صارخةً بكلمة ارحل باللغة الفرنسية، لتصبح هذه الكلمة لاحقاً شعاراً لثورةٍ شعبيةٍ غاضبة أطاحت بنظام الحكم.


رحيل بن علي… الاحتجاجات تأخذ طابعاً سياسياً
أدت حادثة البوعزيزي لاندلاع مواجهاتٍ بين مئاتٍ من الشبّان في منطقة سيدي بوزيد وقوات الأمن يوم السبت الثامن عشر من ديسمبر كانون الأول، خلال تظاهرةٍ للتضامن مع البوعزيزي، والتنديد بارتفاع نسبة البطالة والتهميش والإقصاء، انتهت باعتقال عشرات المحتجين، لكن احتجاجاتٍ حاشدةً اندلعت في ولاياتٍ أخرى كالنار في الهشيم، طالب فيها المحتجون بالعمل وحقوق المواطنة والمساواة في الفرص والتنمية، تطوّرت بشكلٍ متسارع وأخذت طابعاً سياسياً، مطالبةً بتنحي الرئيس زين العابدين بن علي، وإطلاق الحريات العامة ومحاسبة الفاسدين وسارقي المال العام.

وفاة البوعزيزي في مستشفى بن عروس
في الرابع من كانون الثاني يناير ألفين وأحد عشر، توفي البوعزيزي في مستشفى بن عروس بسبب حروقه البالغة، ولم يكتب له أن يكون شاهداً على ما حققته الثورة التي كانت أول ثورةٍ شعبية اتّجهت نحو إرساء ديمقراطية تعددية في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية، متجاوزةً العقم الذي خلفته عقودٌ من الاستعمار والاستبداد والحكم الشمولي، للوصول إلى حالةٍ من الحرية والمساواة، اللتين افتقدتهما دولُ المشرق سنواتٍ طويلة، وأن يبلغ المحتجون التونسيون سنامَ المأمول من تلك الثورة.

سقوط بن علي ومغادرته إلى السعودية
فبعد سقوط عددٍ من القتلى والجرحى جرّاء الصِّدام بين قوات الأمن والمحتجين، اضطر بن علي لإقالة عددٍ من الوزراء، وأطلق وعوداً لمعالجة المشاكل التي نادى بحلها المتظاهرون، كما أعلن عزمه عدم الترشّح لانتخابات الرئاسة عام ألفين وأربعة عشر، وأعيد فتح مواقعَ محجوبةٍ في تونس كاليوتيوب، وتخفيض أسعار بعض المنتجات الغذائية بشكلٍ طفيف، لكن اتّساع نطاق الاحتجاجات ووصولها إلى المباني الحكومية أجبر بن علي الذي حكم البلاد بقبضةٍ حديدية طيلة ثلاثٍ وعشرين سنةً على التنحي والمغادرة بشكلٍ مفاجِئ إلى السعودية في الرابع عشر من كانون الثاني يناير ألفين وأحد عشر، لتبدأ فصولُ مرحلةٍ جديدة في تونس، تغيّرت فيها ملامح البلد كلياً.
استمرار التراجع الاقتصادي
حققت الثورة التونسية مكاسبَ حقيقيةً متميّزة على صعيد الحقوق والحريات العامة، لكن تلك المكاسب تعرّضت لهزاتٍ كبيرة في السنوات الأخيرة هدّدت وجودها مراتٍ عديدة، كما أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لم تشهد أيَّ تحسُّنٍ بعد سنواتٍ من انطلاق الثورة، بل على العكس تماماً تراجعت أكثر فأكثر.

تهديد مكتسبات المرأة بعد سنوات من الثورة
هذا التراجع والانتكاسات الكثيرة التي شابت البلاد بعد ثلاثةَ عشرَ عاماً من انطلاق الثورة، طالت تداعياتها المكتسبات التي حققتها المرأة التونسية بعد نضالٍ أسطوري، كانت فيه النساء حاضراتٍ في الصفوف الأمامية للمحتجين، وقدمن تضحياتٍ كبيرةً لإنجاح تلك الثورة وبلوغ أهدافها.ثلاثة عشر عاماً كانت كافيةً لوضع الأسس العملية والصلبة لتمكين المرأة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وجعل الوعي بحقوقها انطلاقاً من فكرة العدالة والمساواة التامة ثقافةً سائدةً في المجتمع التونسي، لكن مؤسّسات السلطة لم تلتفت إلى ذلك، وحاولت تقويض المنجزات النسوية المتحققة بعد الثورة.

التونسيات يتمسكن بمكتسباتهن ويناضلن لتعزيزها
وعلى الرغم من تلك التداعيات والآثار الجانبية التي طرأت على مكتسبات المرأة التونسية بعد سنواتٍ من اندلاع الثورة، بقيت التونسيات متمسّكاتٍ بشارة الإنجاز الأولى، وواصلن المسيرة رغم وعورة الطريق وصعوبة المرحلة، للارتقاء إلى محطاتٍ أكثرَ تقدُّماً.
الأهداف واضحة بالنسبة للمرأة التونسية، والبوصلة معروفة مُنذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة، بالإرادة والأمل نحو بلوغ المأمول في الوصول إلى المواطنة الكاملة والمساواة المنصفة في الحقوق والواجبات في مجتمعٍ مدنيّ يعي ضرورة نبذ العنف ضد المرأة، ويقصي العقلية الذكورية ويقوّض ثقافتها المتجذرة في المجتمع منذ عقود.

تغلغل الحركات الإسلاموية يقوض مكتسبات الثورة
وبعد تشكيل المؤسسات الدستورية وتنظيم الجهات التشريعية في أول دستورٍ بعد الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، أدّى تغلغل الحركات الإسلاموية في أروقة السلطة وهيمنتها على قرار معظم مؤسساتها إلى تراجعٍ كبير في مختلف القطاعات والفضاءات العامة، مع الحفاظ على بعض التقاليد المتبعة في النظام السابق، لكن هذا التأثير لم يستطع إسكات الأصوات المنتقدة لجوانب القصور والاختلالات، ولم يلجم حرية التعبير التي أصبحت رمزاً لأول ثورةٍ معاصرة.

مع كل ذلك وبعد ثلاثةَ عشرَ عاماً على انطلاق الثورة، ما يزال البعض يرفض وصفها بهذا الاسم، بل ويطلق عليها مسميات تتناقض مع حقيقتها ومفهومها، انقلاباً على معظم الآراء الأخرى التي تشيد بجوهرها وتتبنّى شعاراتها وتتغنّى بمكتسباتها حتى في أحلك ظروفها.
السلطة تكرس الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية
لكن معظم التونسيين لا يتّفقون مع فكرة تحميل مسؤولية الأوضاع المتأزمة في البلاد للثورة التي غيّرت وجه تونس كلياً وأخرجتها من براثن هيمنة الحكم الفردي الشمولي، الذي يرون أنه لم يستثمر مقدرات البلاد في أوقات رخائها لتحسين أوضاع مواطنيها، بدلاً من نهب ثرواتها وحصر إمكانية الاستفادة منها لعائلة الرئيس وأقاربهم والمتنفذين المحسوبين عليهم، إلا أن تغيير هذا الحال كان عصياً على الجهات التي تداولت السلطة بعد الثورة، وكرست الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية زيادة عن أوضاعها السالفة.
تسلّق الأحزاب والحركات الإسلاموية لمكتسبات الثورة، وانفرادها شبه الكامل بإدارة شؤون البلاد بعد فترةٍ وجيزة من الإطاحة ببن علي، زاد من الاختلالات الكبيرة في الهيكلية الاقتصادية، وأدى لتدهور الأوضاع المعيشية، لتكريس هذه الأطراف مساعيها من أجل الهيمنة على السلطة، وتجاهلها ضرورة امتلاك رؤيةٍ وبرنامجٍ اقتصاديٍّ متكامل يواكب المتغيّرات المحلية والدولية، ما أسفر عن وضعٍ أكثرَ هشاشةٍ لفئاتٍ عديدة، وتنامي مؤشّرات الفَقْر والتضخّم وتأثيراتها على المقدرة الشرائية للتونسيين.

ثورة البوعزيزي تلهم الشعوب العربية
شكّلت الثورة التونسية محركاً ودافعاً لمعظم الشعوب العربية الأخرى في الثورة على واقع القمع والإقصاء والتهميش والفَقر والاستبداد، في ظل أنظمةٍ شموليةٍ بعيدةٍ عن آلام شعوبها وآمالهم، ومرتهنة لأجندات قوىً خارجية لتعلقها بأوهام الدعم السياسي والحماية التي تمكّن تلك الأنظمة من البقاء في السلطة والمحافظة على ديمومتها وتوارثها ضمن عائلةٍ واحدة، فسرعان ما اندلعت الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح والتغيير في مصرَ وليبيا واليمن والجزائر وسوريا، والبحرين والأردن والعراق وعُمان والسعودية والمغرب ودولٍ أخرى.

البوعزيزية تحولت إلى محرقة لبعض الدول
وعلى الرغم من نجاح بعض تلك الاحتجاجات التي عرفت إعلامياً باسم ثورات الربيع العربي في اقتلاع أنظمةٍ حكمت عقوداً طويلةً بالحديد والنار، فإنّ شعوباً أخرى ما تزال تَئِنُّ تحت وطأة القمع والبطش في بلدانٍ حولتها الأنظمة المتشبثة بالسلطة إلى ركامٍ بمعنى الكلمة، ودمّرت بناها التحتية وأرهقت شعوبها قتلاً وتغييباً وتهجيراً، والأزمة السورية المستمرة منذ قرابة ثلاثة عشر عاماً أيضاً خير مثال على ذلك.
صحيح أن النيران التي أضرمها البوعزيزي في نفسه كانت شعلةً أضاءت الطريق أمام التونسيين للخلاص من الدكتاتورية، لكنها أشعلت حرائقَ تزداد استعاراً كلَّ يومٍ في معظم البلدان الأخرى ولا سيما سوريا واليمن وليبيا، تحوّلت معها آمال التغيير إلى آلامٍ مزمنة، وأنتجت ردّات فعلٍ غيرَ متوقّعة، وآثاراً مدمّرة جراء التعامل الأمني والعسكري مع المحتجين، ورد الفعل من قبل هؤلاء أيضاً، وخاصة بعد تعاظم التدخلات الخارجية المزعزعة لاستقرار تلك الدول، في ظل غياب الوعي بقيمة الديمقراطية وأهميتها، ورفض الأنظمة الشمولية فكرةَ إزاحتِها عن السلطة.

خيارات التونسيين بعد 13 عاماً من الثورة
اليوم وبعد كل ذلك يقف التونسيون على مفترق طرق، فإما الاستسلام لتحديات المرحلة الاقتصادية والسياسية والتسليم بمحاولات الهيمنة الحزبية والنزعة الفردية التسلطية، أو مواصلة المسير في نهج الثورة حتى تستعيد مسارها الحقيقي بعيداً عن الاستقطابات السياسية لبعض الأطراف المرتهنة للأجندات الخارجية، لتظل البلاد بارقةَ أملٍ لشعوب المنطقة التي تحلم بالتغيير وتسعى إليه، بعد تشرذمِ الأصوات وتراكمِ الأزمات وتعاظمِ التحديات وتراجعِ الخيارات وضياعِ بوصلة الحلول.
