الكرد عبر التاريخ سكنوا المنطقة الممتدة حالياً بين حدود تركيا، والعراق، وسوريا، وإيران، وأرمينيا، وهذه المنطقة تعد الموطن الأصلي للملايين منهم، ولم يهاجروا منها منذ آلاف السنين.
وفي إيران يقطن الكرد هناك مناطق شمال غربي البلاد، في عدة مدن أهمها كرمنشاه وإيلام ومهاباد، ومهاباد هذه لها قصة محفورة في الوجدان الكردي، يذكرها التاريخ.

ففي مطلع عام 1946 بزغ نجم جمهورية فتية في الشرق الأوسط، أحيت بوجودها حلماً عمره مئات السنين، وأشعلت جذوة الأمل في نفوس ملايين الكرد، إنها جمهورية كردستان الشعبية الديمقراطية، أو التي عرفت بجمهورية مهاباد.
الجمهورية الوليدة التي عمّرت فقط أحد عشرة شهراً، كانت ضحية تفاهمات الدول العظمى مع أعداء الكرد التاريخيين، لتذهب حقوق الكرد أدراج الرياح حينها، وما زالوا ينظرون إلى جمهوريتهم الموءودة تلك بفخر عظيم، ويجلون رجالاتها إلى يوم الناس هذا.

جمهورية مهاباد.. الحلم الموءود
في آب/ أغسطس من عام 1941، دخلت جيوش الحلفاءِ إيران، واحتل البريطانيون جنوب البلاد، بينما احتل السوفييت الشمال.

وحينها سقط الجيش الإيراني في المناطق التي دخلتها الجيوش الأجنبية، وليعود المئات من الزعماء الكرد المنفيين والمسجونين لدى السلطات الإيرانية إلى مدنهم، ويعيدوا تسليح أنفسهم، وينظموا صفوفهم، ليسعوا شيئاً فشيئاً لنيل حقوقهم التاريخية التي سلبهم إياها الشاه الإيراني رضا بهلوي.
حينها برزت شخصية من عائلة مرموقة تدعى قاضي محمد وهو زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران، والذي ترأس وفداً كردياً زار العاصمة الأذربيجانية باكو للقاء مسؤولين سوفييت، ووقع حينها الوفد الكردي عدة اتفاقيات مع الجانب السوفييتي وخاصة في مجال الاقتصادي.

وإلى جانب الاتفاقيات، عاد الوفد الكرد محملاً بوعود سوفيتية بتقديم الدعم اللازم لهم على عدة أصعدة، ليساهم ذلك بتأسيس جمعية مجتمع إحياء كردستان عام 1943، وهو ما اعتبر النواة الأولى لتأسيس جمهورية مهاباد.

التأسيس والإنجازات
في الثاني والعشرين من كانون الثاني/ يناير من عام 1946في ساحة جارجرا، أي المشاعل الأربعة، وهي الساحة التاريخية في مهاباد، أعلن قاضي محمد عن تأسيس جمهورية كردستان الشعبية الديمقراطية، بهذه الكلمات “أقسم بالله، بالقومية الكردية والعلم المقدس لكردستان بأنني سأحمي جمهورية كردستان واستقلالها حتى آخر قطرة من دمي وحتى أنفاسي الأخيرة”، وانتخب رئيساً لها.
وغطت الدولة الحديثة مساحة 30% فقط من مما يعرف كرديا بـ “روجهلاتي كردستان” أي شرق كردستان، والجزء الموجود بإيران حالياً ضمن ما يطلق عليه الكرد اسم جمهورية كردستان الكبرى.

وما هي إلا أيام قليلة حتى تشكلت الحكومة التي تألفت من أربعة عشر وزيراً، واختير نشيد “أي رقيب” للشاعر الكردي دلدار نشيداً وطنياً للجمهورية الحديثة، وبدأت المطبعة الوحيدة في البلاد بالعمل على نشر الإعلانات التأسيسية.
وعلى الفور بدأ نشاط مؤسسات الجمهورية على أكثر من جبهة، فباشرت المدارس التعليم باللغة الكردية التي باتت اللغة الرسمية للبلاد، والتي كان محرم التحدث بها في إيران في السابق، كما أُسست إذاعة كردية، وجيش كردي، انضمت إليه كافة المجموعات المسلحة، وشُكلت نقابات مهنية، بالإضافة إلى إغناء الصحافة الكردية، والإصلاحات الزراعية والإدارية، إلى جانب تطوير الفن الكردي، إذ أُسست دار للأوبرا في مدة وجيزة من إعلان الجمهورية.

ويحسب لجمهورية مهاباد العمل على نشر التعليم بين الجنسين، وافتتاح مراكز محو الأمية، والسماح بإصدار مجلات وصحف، وتأسيس دور نشر، وإبراز دور المرأة في إدارة البلاد، وذلك من خلال تأسيس اتحاد نساء في جمهورية مهاباد وقد شجع القاضي محمد المرأة في الدخول في العملية السياسية الاجتماعية وقد شجع زوجته وبناته على المشاركة.
الانهيار
لم يكن قيام جمهورية مهاباد أمراً مقبولاً لدى السلطات الإيرانية، التي كانت ترى في هذه الجمهورية تهديداً لها، كما لم يكن نشوء الجمهورية مقبولاً لدى جارتها تركيا، التي كانت تخشى من أن يؤدي قيام دولة كردية مستقلة إلى زعزعة استقرارها الداخلي الهش.
وشهدت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، تقلبات سياسية عدة، فالدعم الذي تلقاه الكرد من الاتحاد السوفييتي توقف تحت ضغط مجلس الأمن الدولي ومن خلفه كل من بريطانيا وأمريكا، التي باتت تنظر لموسكو كعدو عوضاً عن حليف كان لهما عدو واحد وهو النازية.

وفيما بعد رضخت موسكو للضغوط الدولية، ووقعت اتفاقيات نفطية مع طهران قبل أن يخرج الجيش الروسي في التاسع من أيار/ مايو من عام 1946 من المناطق التي كان يتواجد فيها آنذاك، وهو ما جعل جمهورية مهاباد فريسة سهلة للإيرانيين الذي أعدوا العدة لفرض سطوتهم من جديد.
وفي حزيران/ يونيو من ذلك العام، أعادت إيران سيطرتها على أذربيجان الإيرانية، إذ عزلت هذه الخطوة جمهورية مهاباد، فتضاءلت محاصيل وإمدادات القبائل التي دعمت قاضي محمد، كما اختفت المساعدات الاقتصادية والمساعدات العسكرية من الاتحاد السوفييتي.
وما إن دخل الجيش الإيراني مهاباد في السابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر من عام 1946، حتى اعتقلت رئيس الجمهورية قاضي محمد، الذي آثر عدم مواجهة الجيش الإيراني، درءاً لسفك الدماء، نظراً لفرق القوة العسكرية بين الطرفين، فيما لجأ قادة جيشه إلى الاتحاد السوفييتي بعد مسيرة طويلة وسط الجبال.

وإلى جانب الاعتقالات التعسفية، مارست السلطات الإيرانية شتى أنواع الانتهاكات بحق الكرد في جمهورية مهاباد، كما أغلقت المطبعة الكردية، وحظرت تدريس اللغة الكردية، وأحرقت جميع الكتب الكردية بما فيها المدرسية.

وبعد يوم واحد من الذكرى السنوية الأولى لتأسيس الجمهورية، حكمت السلطات الإيرانية بالإعدام على قاضي محمد، ونفذت الحكم فيه مع اثنين من إخوته، في الحادي والثلاثين من آذار/ مارس من عام 1947، في ساحة جارجرا، التي أعلن منها قاضي محمد ميلاد الجمهورية.
وهكذا طوى الكرد صفحة أخرى من تاريخهم برحيل مؤسس جمهورية مهاباد، قاضي محمد، الذي كان معلماً وزعيماً دينياً، اتسم بنكران الذات، لذلك أحبه أبناء شعبه والتفوا حوله.
وتُعد جمهورية مهاباد فصلاً بارزاً في حركة الاستقلال الكردية، فقد كانت المحاولة الثانية من قبل الشعب الكردي لإقامة دولة خاصة به، بعد جمهورية آرارات في جنوب شرق تركيا عام 1927.
وعلى الرغم من أن جمهورية مهاباد لم تعش طويلاً، إلا أن إرثها لا يزال قائماً في المجتمع الكردي، ولا يزال يلهم الكرد في جميع أنحاء العالم.

كما كشف انهيار الجمهورية عدم استعداد إيران لمنح الكرد أبسط حقوقهم في الحكم الذاتي الذي كان يدعو إليه قاضي محمد، كما مثل فشل صمود الجمهورية، نكسة كبيرة لحركة الاستقلال الكردية، وهو ما دعا لوجود جبهة كردية موحدة، يمكنها الكفاح بشكل أكثر فعالية من أجل الاستقلال.

