المنطقة العازلة.. مفهومٌ عسكريٌّ شاع استخدامه بعد الحرب الباردة، أُطلق على مناطقَ جغرافيةٍ حدوديةٍ بين الأطراف المتنازعة، حيث تبقى تلك المناطق تحت حمايةٍ دوليةٍ وتُجرَّد من السلاح بغرض حفظ السلام، وقد تترافق بحظرٍ جويٍّ في بعض الحالات، ووفقاً للقوانين والأعراف الدولية فإن المنطقة العازلة يجب أن تقع بين طرفي النزاع وعلى أجزاءٍ من أراضيهما.
الشرق الأوسط شهد إجراءاتٍ عسكريةً تحت مُسمّى المنطقة العازلة، من بينها المنطقة العازلة بين العراق والكويت خلال حرب الخليج الأولى، وبين إسرائيل وجنوب لبنان، وكذلك بين سوريا وإسرائيل، كما أُقيمت منطقةٌ عازلةٌ بين السودان ودولة جنوب السودان.
على الصعيد العالمي أقيمت سابقاً منطقةٌ عازلةٌ بين فرنسا وألمانيا، كما أقام الاتحاد السوفياتي مناطقَ عازلةً في أوروبا الشرقية، أما حاليًا فتوجد مناطقُ عازلةٌ في قبرص وبين الكوريتين الشمالية والجنوبية وكذلك في أفريقيا بين إثيوبيا وإرتيريا.
ورغم الهدف المفترض من إقامتها لدواعٍ تتعلق باستتباب السلام والأمن، إلا أن التجارب على أرض الواقع أفرغت المناطق العازلة من الغايات الإنسانية النبيلة، وأي مساعٍ لإحلال السلام، بل كشفت عن النوايا السيئة للأطراف المتدخلة في الصراعات التي استخدمت مخططات المنطقة العازلة من أجل أجنداتٍ احتلاليةٍ أو استعمارية، لما تسببت به من احتلالٍ للأراضي وارتكاب جرائم إبادةٍ جماعية وتشكيل بؤرِ إرهاب.
أحدث مثال على ذلك في التاريخ المعاصر هو الاحتلال التركي لمناطق رأس العين/سري كانيه، تل أبيض/كري سبي شمال وشرق سوريا، بذريعة إقامة منطقةٍ تَزعم أنقرة زوراً أنها آمنة، وعازلة أحياناً أخرى، دون أن تُطبق عليها شروط المنطقتين وفقاً للقانون الدولي، لتصبح اليوم واحدةً من أخطر مناطق سوريا، التي تحولت إلى بؤرةٍ للإرهاب، وساحةٍ لتطبيق سياسات التهجير القسري والتغيير الديمغرافي، وممارسة أبشع أنواع المجازر والجرائم والانتهاكات، ولا سيما بحق النساء والأطفال.
منذ أسبوع، أعادت إسرائيل طرح فكرة المنطقة العازلة في قطاع غزة، حتى قبل أن تنتهي الحرب المندلعة بينها وبين حماس، لتلاقي الكثيرَ من الاستهجان والاستنكار، خاصةً وأن ذلك يُعد تكراراً لسيناريو المنطقة التي أنشأتها إسرائيل في عمق الجنوب اللبناني عام 2000 تحت مسمى المنطقة الآمنة، لتكون أقربَ منها لخصائص الاحتلال من استيفائها شروطَ المناطق الآمنة وفق محللين.
