حقوقُ الإنسان، أبعدُ من كونها مفهوماً أو تشريعاتٍ ونصوصاً قانونية، هي فلسفةٌ قائمة بذاتها، لما لها من مفاهيمَ وأبعادٍ تتأصل في الأخلاق والدين والتشريع والدولة وقيم المجتمع الإنساني، وعلاقة أفراده التي تطورت وتتطور منذ قديم الزمان إلى الآن، حيث يأخذ التنظيم الاجتماعي صيغةَ الدولة التي تتحكم بعلاقات أفرادها بعضهم ببعض وبمؤسسات الدولة.
الفلاسفة الإغريق القدماء، اعتبروا حقوق الإنسان منبثقةً من القوانين الطبيعية التي تفرِّض بالضرورة وجودَ حقوقٍ طبيعية، وشهد المجتمع الإنساني مع تطور علاقات أفراده الدعوةَ إلى حماية حقوق الإنسان على ألسنة الأنبياء والفلاسفة.

لم يَدُمِ الحالُ على هذا المنوال عندما انتقلت السيادةُ من الديانة والقيم الاجتماعية إلى أيدي الحكام مع ظهور نظام سلطة الدولة والدستور والقوانين، فاقتصرت تلك الحقوق على بعض النصوص التي وضعها الملوكُ على شعوبهم لإسكات النقمة في صدور الناس الذين سُلبت الكثير من حقوقهم.
#اليوم_العالمي_لحقوق_الإنسان
10_ كانون الأول _ ديسمبر#قناة_اليوم pic.twitter.com/DVbJgvFfex— قناة اليوم (@alyaum_news) December 10, 2023
ومع نشأة مصطلح حقوق الإنسان التي ترجِع إلى قبل ثلاثة قرونٍ تقريباً من الآن، اندلع السجالُ بين فلاسفة عصر الحداثة والتنوير الأوروبي حول تعريفه، وهو العصر الذي أسقط سلطةَ الكنيسة ورسّخ مبادئ القوانين الوضعية، كما حصل إبّان الثورة الفرنسية الكُبرى التي أطلقت إعلان حقوق الإنسان والمواطن وأسست لمدنيةِ الدولة.

فلاسفةٌ أمثال هوغو، أسس فلسفته حول حقوق الإنسان استناداً إلى القانون الطبيعي باعتباره غيرَ مُعتمدٍ على اللاهوت، وجون لوك، اعتبر أن الحاكم الذي يتعارض مع القانون الطبيعي ويفشل في حماية الحياة والحرية والملكية، يمكن للناس أن يطيحوا به وبالدولة القائمة وأن ينشئوا دولةً جديدة.
مع التنوير اندلعت ثوراتٌ عدة وتهاوت عروشُ الأنظمة الاستبدادية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، وأصبحت التشريعات الداخلية وبعض النظم الدولية تأتي بنصوصٍ تجعل من احترام حرية الإنسان وحقوقه جوهرَ قيام واستمرار المجتمع السياسي.

في المرحلة الحديثة التي أعقبت الحربَ العالمية الثانية فإن النظريتين اللتين تسيدتا تناولَ موضوع حقوق الإنسان هما نظرية الفائدة ونظرية الإرادة.
نظريةُ الفائدة تقول، إن الوظيفة الرئيسية لحقوق الإنسان هي حماية وتعزيز بعض المصالح الإنسانية الأساسية، بينما تحاول نظرية الإرادة إثبات صحة حقوق الإنسان على أساس القدرة البشرية الفريدة لتحقيق الحرية.

بعد قيام هيئة الأمم المتحدة، ارتبطت حقوق الإنسان كمفهومٍ قانوني بالكرامة، حسب الفيلسوف البلجيكي للقانون فرانك فان دون، الذي صاغ حقوق الإنسان كمشتقٍ لمفهوم الكرامة الإنسانية العالمية.
ولا يستند الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948 م على أي أساسٍ فلسفي، بل يدعو إلى كرامة الإنسان من خلال وضعه مبادئَ رئيسيةً للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحريات الفردية.
كما ينص على تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً دون تمييزٍ حسب الجنس أو اللغة أو الدين، ولا تفريقَ بين الرجال والنساء.
وتُعرِّف الأمم المتحدة حقوقَ الإنسان بأنها ضماناتٌ قانونيةٌ عالمية لحماية الأفراد والجماعات من إجراءات الحكومات، التي تمُسُّ الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية، ويُلزِم قانون حقوق الإنسان الحكوماتِ ببعض الأشياء ويمنعها من القيام بأشياءَ أخرى، ويوزع الحقوق الإنسانية في ثلاث مجموعاتٍ هي: حقوق السلامة الشخصية ـ الحريات المدنية ـ الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
اليوم وبمناسبة حلول اليوم العالمي لحقوق الإنسان، فإن مُعضلات حقوق الإنسان الحديثة شائكةٌ ومعقدةٌ وجذرية، خاصةً مع تصدير مفاهيمه الأوروبية إلى خارج حدود أوروبا، إذ يكتنفُ هذا المصطلح الغموضُ في السياقات والتطبيق ويجده حقوقيون أنه لا يعدو عن كونه مفهوماً يوظِّف لإحقاق أجندةٍ سياسية.

ازدواجيةُ إسقاط مفاهيم حقوق الإنسان الأممية يجدها هؤلاء الحقوقيون في تراجعِ مستويات قوانين حماية المرأة في مناطقَ عديدةٍ من العالم، وتزايدُ مظاهر العنف وعدم صون حقوق الأطفال وكبار السن في حالات النزاع المسلح، وغياب الدور الفاعل لأجهزة الأمم المتحدة القضائية في إدانة مُرتكبي جرائم الحرب ودول الاحتلال المتسببة في إحداث التغيير الديموغرافي.
وبحسب هؤلاء فبينما يشهد العالُم حرباً عالميةً ثالثة بتداعياتٍ كبيرةٍ من بينها تراجع مستوى الحريات وغياب حقوق المواطنة لدى البعض وتفاقم مظاهر المجاعة والمرض، وتفاقمُ أزمة المناخ والبيئة، فإن إعادةَ نظرٍ جذريةً ينبغي وضعُها لنصوص مفاهيم حقوق الإنسان التي يضعها المجتمع الدولي، الذي أثبت عدم نجاعةَ أساليبه ومفاهيمه الفضفاضة في حفظ كرامة وسلامة الإنسان، سواءٌ داخل دولته أو خارج إطارها.
