في خطوة غير مسبوقة على المستوى القضائي الأوروبي، أصدر قضاة التحقيق في وحدة جرائم الحرب بفرنسا سبع مذكرات توقيف دولية بحق رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد وستة من كبار أركان نظامه الأمني والعسكري، على خلفية قضية مقتل صحفيين أجانب خلال قصف استهدف المركز الإعلامي في حي بابا عمرو بمدينة حمص عام 2012.
قائمة المسؤولين المطلوبين.. جريمة موثقة
شملت المذكرات إلى جانب الأسد، شقيقه ماهر الأسد قائد الفرقة الرابعة آنذاك، وعلي مملوك الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العامة، وعلي أيوب رئيس الأركان السابق، وغسان بلال رئيس أمن الفرقة الرابعة سابقًا، ومحمد ديب زيتون مدير إدارة أمن الدولة (جهاز المخابرات العامة) الأسبق، إضافة إلى رفيق شحادة الذي كان مسؤولًا أمنيًا في حمص وقت الهجوم.
القصف الذي وقع بتاريخ 22 شباط/فبراير 2012 أدى إلى مقتل الصحفية الأمريكية ماري كولفن من صحيفة “صنداي تايمز”، والمصور الفرنسي المستقل ريمي أوشليك، وإصابة صحفيين آخرين، بينهم الفرنسية إديث بوفييه، والبريطاني بول كونروي، والمترجم السوري وائل العمر بجروح متفاوتة. وقد اعتبرت التحقيقات الفرنسية أن الاستهداف لم يكن عرضيًا، بل نتيجة خطة ممنهجة لإسكات التغطيات الإعلامية الأجنبية التي كانت تكشف ما يجري داخل حمص المحاصرة.
تغيّر المعادلة وتفاصيل الهروب.. سقوط الحصانة
يأتي القرار الفرنسي بعد أشهر من سقوط النظام السوري وفقدان الاعتراف الدولي به بصفته رئيسًا، ما أسقط الحصانة التي كان يتمتع بها بموجب القانون الدولي.
ومع نهاية العام الماضي، وبعد خروج الأسد من السلطة وفراره إلى روسيا إثر سيطرة فصائل بقيادة هيئة تحرير الشام على دمشق، تغيّر الوضع القانوني جذريًا، ما فتح الباب أمام الملاحقات القضائية.
ملاحقة دولية متصاعدة
ليست هذه المرة الأولى التي تصدر فيها فرنسا مذكرات بحق مسؤولين سوريين، إذ ارتفع عددها إلى 21 مذكرة توقيف، بينها ثلاث بحق الأسد شخصيًا. وتؤكد منظمات حقوقية أن الخطوة الأخيرة تمثل مرحلة جديدة في مسار العدالة الدولية، قد تفضي إلى محاكمة تاريخية تطال رأس النظام السوري السابق.
موقف منظمات حقوق الإنسان وخلفيات التحقيق
قالت كليمنس بيكتارت، محامية الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان في باريس ووالدة أوشليك، إن إصدار مذكرات التوقيف يمثل خطوة حاسمة نحو محاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من قبل النظام السوري أمام القضاء الفرنسي.
وأشار الاتحاد الدولي إلى أن الصحفيين دخلوا مدينة حمص المحاصرة سرًا لتوثيق انتهاكات النظام السوري، وتعرضوا لقصف مستهدف.
من جانبه، اعتبر مازن درويش، مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، أن التحقيقات القضائية أثبتت أن استهداف الصحفيين الأجانب في بابا عمرو لم يكن حادثًا، بل جزءًا من سياسة ممنهجة هدفها طمس الحقيقة وإرهاب الإعلام.
أبعاد سياسية وقانونية تحمل المذكرة الفرنسية أبعادًا سياسية وقانونية أوسع من قضية اغتيال الصحفيين، فهي تشكل أول اعتراف قضائي أوروبي صريح بأن النظام السوري السابق مارس جرائم ممنهجة ضد الإعلاميين ضمن استراتيجيته العسكرية.
كما أن توقيتها بعد سقوط النظام وانهيار الحصانة يعكس رغبة فرنسية في قيادة مسار المحاسبة الدولية، في وقت ما زال الملف السوري عالقًا بين التجاذبات الإقليمية.
ورغم أن الطريق نحو تنفيذ هذه المذكرات يبدو طويلًا في ظل وجود الأسد في روسيا، إلا أن صدورها يوجه رسالة سياسية وقضائية قوية بأن الإفلات من العقاب لم يعد مضمونًا، وأن الجرائم الموثقة بحق السوريين والصحفيين الأجانب ستظل تلاحق مرتكبيها وإن طال الزمن.
