اندلاع الحرب العالمية الأولى ومآلاتها
شهدت أوروبا مطلع القرن العشرين دخولًا عنيفًا إلى مرحلة تاريخية جديدة عبر الحرب. ففي 28 حزيران/يونيو 1914، اغتال غافريلو برينسيب وهو قومي صربي وليّ عهد الإمبراطورية النمساوية-المجرية، الأرشيدوق فرانز فرديناند، في سراييفو، ممّا أشعل فتيل أزمة كانت التوترات الإقليمية والدولية قد هيّأت ظروفها مسبقًا.
على إثر ذلك، وجّهت النمسا إنذارًا شديد اللهجة إلى صربيا، فانحازت روسيا إلى صربيا، فيما وقفت ألمانيا إلى جانب النمسا. وفي ظلّ نظام التحالفات الأوروبية، التحقت فرنسا بروسيا، وانضمت بريطانيا إلى فرنسا، لتندلع بذلك حربٌ استمرت أربع سنوات وأودت بحياة نحو 17 مليون إنسان على جبهات القتال. غير أن الخراب الأكثر فداحة – كما يرى المحللون – وقع على طاولة المفاوضات بعد انتهاء الحرب، حيث أسست التسويات التي تلت النزاع لجيل جديد من الصراعات.
انتهت الحرب في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1918 باستسلام ألمانيا، لتنقسم القوى العظمى إلى معسكرين: دول منتصرة تمثلها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، ودول مهزومة تمثلها أربع إمبراطوريات؛ هي الألمانية والنمساوية-المجرية والعثمانية وروسيا القيصرية. وقد تَمثَّل السؤال الجوهري آنذاك في: كيف ستُعاد صياغة هذه الجغرافيا الشاسعة، وبأي قواعد؟ وجاءت الإجابة من باريس عام 1919.
انعقد مؤتمر باريس للسلام في 18 كانون الثاني/يناير 1919، بمشاركة رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج، ورئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو، ورئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسون. وقد طرح ويلسون مبدأ “حق تقرير المصير للشعوب”، بيد أن بريطانيا وفرنسا أعادتا تفسيره عمليًّا بما يخدم مصالحهما الأمنية والاقتصادية.
شكَّلت معاهدة فرساي، الموقَّعة مع ألمانيا في 28 حزيران/يونيو 1919، أولى المعاهدات الكبرى في مرحلة ما بعد الحرب. وقد نُصَّ فيها على تحميل ألمانيا المسؤولية الحصرية عن الحرب، ونقل كلٍّ من الألزاس واللورين إلى فرنسا، ومنح بروسيا الغربية لبولندا. كما فُرِضَت قيود صارمة على تسليحها، بحيث لا يتجاوز جيشها 100 ألف جندي، وأُلزِمَت بدفع تعويضات حرب ضخمة، في محاولة لإبقائها عاجزة عن النهوض مجددًا.
في 10 أيلول/سبتمبر 1919، أُبرمت معاهدة سان جرمان التي قُصِّرت بموجبها النمسا. وفي 4 حزيران/يونيو 1920، خسرت المجر ثلثي أراضيها بموجب معاهدة تريانو، ليصبح نحو 3 ملايين مجري في وضع الأقلية ضمن الدول المستحدَثة. وفي 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1919، خسرت بلغاريا منفذها على بحر إيجه بموجب معاهدة نويي. وهكذا أُعيد تقسيم أوروبا الشرقية إلى دول قومية؛ غير أن هذه الأمم لم تنبثق من الميدان، بل رُسِمت خلف الطاولة، لتُزرع مشاكل الأقليات والنزاعات الحدودية والقومية في جينات هذه الدول.
أما على صعيد الشرق الأوسط، فقد تمثَّلت الخطة في معاهدة سيفر التي فُرِضت على الدولة العثمانية في 10 آب/أغسطس 1920، ونصَّت على تقسيم الأناضول إلى ثلاثة أجزاء، وجعل إسطنبول والمضائق تحت إدارة دولية، ومنح إزمير لليونان، وأضنة وعنتاب لفرنسا، مع التنبؤ بإنشاء دولتي أرمينيا وكردستان في شرق الأناضول، وإبقاء نفط الموصل تحت النفوذ البريطاني، وإعادة العمل بالامتيازات الأجنبية. وقد مثَّلت سيفر خطة تصفية شاملة للجغرافيا العثمانية.
إلا أن معاهدة سيفر بقيت حبرًا على ورق؛ ذلك أن الحركة بقيادة مصطفى كمال في الأناضول رفضت هذا التصميم بالسلاح. وبعد تحقيق النصر العسكري في عام 1922، جُلِس إلى طاولة المفاوضات لصياغة معاهدة جديدة. وفي 24 تموز/يوليو 1923، وُقعت معاهدة لوزان في سويسرا، التي شكَّلت بالنسبة لتركيا وثيقة تأسيس وتحرر، حيث أُلغيت بموجبها الامتيازات والمحاكم الأجنبية، وتُحددت الحدود بعد الحرب.
غير أن معاهدة لوزان أحدثت شرخًا آخر في المنطقة؛ فمسألة الحكم الذاتي الكردي التي وردت في معاهدة سيفر لم تُطرح أساسًا في لوزان. وهكذا جرى تثبيت تقسيم الجغرافيا الكردية بين تركيا والعراق وسوريا وإيران – الذي تحقق فعليًا بموجب اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 – قانونيًا ودوليًا في عام 1923. وقد حوَّل هذا، المسألة الكردية إلى “شأن داخلي” للدول الأربع، وأخرجها من نطاق الساحة الدولية، مما صعَّب حلَّها على مدى قرن كامل.
سار المنطق نفسه في أوروبا الشرقية. فالدول التي تأسست بموجب معاهدتي فرساي وتريانو، كـ تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا ورومانيا، حاولت حشر البنى متعددة القوميات في هوية وطنية واحدة. وظلت مشاكل المجريين والألمان والصرب والكروات قائمة، لتنتهي بتفكك يوغوسلافيا الدموي في التسعينيات.
يكمن المصير المشترك للشرق الأوسط وأوروبا الشرقية في أن الدولة تأسست أولًا، ثم حاولت خلق “الأمة”. رُسِمت الحدود وفق حسابات النفط والسكك الحديدية والمضائق والأسواق، وأُرجئت المسألة العرقية والمذهبية واللغوية إلى المرتبة الثانية، إذ كانت الغنيمة والسيطرة هي الأولوية. وقيل إن الامتيازات أُلغيَت، غير أن الديون واقتصاد المنتج الواحد والتحالفات العسكرية حلَّت مكانها. تغيَّر شكل الاستعمار، لكن منطقه بقي على حاله.
ماذا تبقى بعد مئة عام؟
دول مستقلة على الورق، لكن شرعيتها ضعيفة، واقتصاديًّا تابعة للخارج، وسياسيًّا تقف على جهاز الجيش والأمن. وقد عادت خطوط الصدع العرقية والمجتمعية التي كُنِسَت تحت السجادة في عشرينيات القرن الماضي لتظهر مجددًا في صورة حروب أهلية وحروب بالوكالة وأزمات إقليمية في القرن الحادي والعشرين. فالعراق وسوريا وليبيا ويوغوسلافيا ليست سوى نسخ مختلفة من القصة ذاتها.
إن الفوضى وانعدام الحلول التي نعيشها ليست وليدة الصدفة، بل هي مؤشر على استنفاد النموذج القديم. فالتصميم المئوي القائم على الريع والاستغلال والسيطرة لم يعد قادرًا على احتواء المشاكل التي خلقها، وهو ينتج أزمات جديدة لأنه لا يملك لغة غيرها.
لذلك، لا بد من تغيير السؤال. السؤال الجوهري ليس “من سيحمي الحدود؟”، بل “لماذا لم يعد هذا النموذج قادرًا على العمل؟”. وسنبحث عن الجواب في القسم الثاني: لماذا تلجأ الحداثة الرأسمالية مجددًا إلى الحرب والقوة للحفاظ على حالة انعدام الحلول؟ وما الذي تقترحه باراديغما الحداثة الديمقراطية في مواجهة هذا الانسداد المئوي؟
أحمد حسن
