في مشهدٍ مؤثر يختلط فيه الألم بالأمل، بادر مقاتلونَ من حزب العمال الكردستاني على إحراقِ أسلحتهم بأيديهم استجابةً لنداء قائدهم السجين عبد الله أوجلان، الذي دعا رفاق دربِه إلى اتخاذ خطواتٍ نحو السلام وإنهاءِ القتال.
وقف المقاتلون في صمتٍ مهيب، وألسنة اللهب تتصاعد من بنادقهم وكأنها تلتهم سنواتٍ طويلة من النضال والجراح والمعاناة. بدا وكأنَّ كل مقاتلٍ اقتلع قلبه بيده ليقدمه قُرباناً على مذبحِ قضيةٍ آمن بها طيلة حياته.
مشهدٌ وصفه شهود بأنه “سريالي ومهيب”، اختلطت فيه نظرات الحزن بعنفوان الكبرياء، ليقدّم الكرد درساً جديداً في شرف القتال وأخلاق السلام في آنٍ واحد.
لطالما ظل السلاح والجبل صديقي الكردي الوحيدِين في عالمٍ خذلهم مِرَارَاً. ورغم أن الجبل بقي شاهداً على صمودهم، فقد اختار المقاتلون اليوم أن يتخلوا عن سلاحهم وفاءً لوعد السلام. خطوة أثبتت أن الكرد، طلاب حريةٍ وسلام حملوا على عاتقهم عبء أوزارٍ لم يتجرأ العالم كله على حملها.
تاريخٌ حافل بالخذلان الدولي، من سايكس-بيكو إلى اتفاقيات الحلفاء، إلى التخلي عنهم بعد انتصاراتهم على أعتى التنظيمات الإرهابية، ومع ذلك، لم يركن الكرد إلى التخاذل، بل هبّوا دوماً لنصرة الإنسانية حين نادتهم، حتى وهم يدركون أن المقابل سيكون خذلاناً جديداً.
يوم اشتد السواد وتمدّدت مملكة الظلام، وقفوا في وجه أعتى تنظيم إرهابي عرفه العصر، ألا وهو تنظيم داعش، دافعوا عن العالم بأسره، وأعادوا المارد إلى قمقمه، في حين ظل المجتمع الدولي يشيح بوجهه عن معاناتهم وحقوقهم.
اليوم، يبرهن الكرد أن مبادئهم لا تتزعزع، وأن التزامهم بقرارات قائدهم راسخ، حتى وهو سجين جسدياً في جزيرة معزولة، إلا أن فكره من المحال أن يسجن وراء القضبان. يحرقون أسلحتهم ليبعثوا للعالم رسالة أن السلام يحتاج إلى شجاعة أكبر من تلك التي يحتاجها القتال.
لقد قرنوا القول بالفعل، والنظرية بالتطبيق، وظلوا كما عرفهم الجميع، أصلب من الماس في الحرب، وأرقى من أي فرسان في السلم.
رغم كل ما قدّموه للبشرية، ما زال العالم يتنكر لتضحياتهم. أولئك الذين نابوا عنه في قتال الظلام يُتركون وحيدين ليواجهوا خصومهم وحلفاء خصومهم، بينما تواصل عواصم القرار صفقاتها ومكاسبها على حساب دمائهم.
ومع ذلك، يبقى الدرس الكردي قائماً، أن العالم بأسره لن ينتزع من الكردي شيئاً إلا برغبته، وأن الجبل سيبقى شاهداً على صموده مهما طال الزمان.
اليوم، يقف الكرد بشموخ من أجل الحرية ويعلمون خصومهم أخلاق الفرسان في السلم. يقفون ويقولون للعالم: احترم وانصت جيداً، فأنت في حضرة المقاتل الكردي الذي أزهر من رماد سلاحه السلام.
إعداد: عبد الرحيم محمد
