أسوأ كارثةٍ إنسانية في العصر الحديث عرفتها البشرية، تطوي عامها الثاني عشر، دون أفقٍ لتسويةٍ سياسية تُنهي هذه المعضلة السورية، التي زادتها تعقيداً التدخّلات الخارجية الإقليمية والدولية، التي تختلف مصالحها وأجنداتها الخفية، وتتفق على ضرورة إفشال أحلام شعوبٍ فتيّة، في العبور إلى ضفة الخلاص والحرية
فاثنا عشر عاماً مرّت على بدء الاحتجاجات الشعبية الرافضة لاستمرار هيمنة حزب البعث بزعامة عائلة الأسد على السلطة، الذين استبدوا بقرار السوريين فصادروا آمالهم ونهبوا مقدراتهم وفاقموا آلامهم، وقابلوا بالحديد والنار كل محاولات انعتاقهم، لكن السوريين المنتفضين ضد تلك المنظومة الاستبدادية، استطاعوا في الخامس عشر من آذار مارس ألفين وأحد عشر قول كلمتهم، رغم سطوة جلاديهم وعظم مصيبتهم.

الموقع الاستراتيجي لسوريا جغرافياً وسياسياً، وإجادة السلطات الحاكمة اللعب على وتر المصالح المتناقضة وإعادة تدوير الزوايا بما يتوافق مع مصالح معظم الأطراف الإقليمية والدولية، وانخراط بعض تلك الأطراف بثقل كبير في تلك المعادلة، سهَّل من مهمة السلطات الساعية لإفشال تلك الاحتجاجات وحرفِها عن مسارها السلمي، وإظهارها بمظهر خطرٍ وجوديٍّ يرتكز على الإرهاب والتحشيد الطائفي، لتبرير قمعها والقضاء عليها، بعد تحويلها لأزمةٍ تتفاقم تداعياتها باستمرار.
المواقف الدولية والقرارات الأممية الرخوة والباردة تجاه الأزمة السورية، والتعامل معها على أنها حلقةٌ ضعيفة من حلقاتِ التنافس الدولي وحرب الأجندات المتناقضة بين القوى الرأسمالية، جعلت قضية السوريين بضاعةً للمساومات وبازاراً للصفقات، حتى في الكوارث الطبيعية التي فاقمت معاناة السوريين، ونكأت جروحاً في أجسادهم وضمائرهم لم تندمل، وآتت على كثير من قليل أبقته الحرب الطاحنة في بلادهم.
هذا الزلزال السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني الذي ضرب سوريا منذ اثني عشر عاماً وما يزال، أثبت طيلة هذه الفترة أن تداعياته الكارثية وهزّاته الارتدادية أخطر بكثير من تلك التي خلقتها كارثة الزلزال الطبيعي الذي ضرب سوريا قبل أسابيع، فالزلزال الأول خلّف أعداداً مرعبة من الضحايا وكمّاً هائلاً من الدمار، أسهمت فيه إلى جانب السلطات الحكومية وحلفائها، أطراف تدّعي معارضة السلطة، وقوى تدعمها وتستخدمها كأدوات لتمرير مصالحها وخدمة أجنداتها، غير آبهة لحال السوريين ومستقبل وطنهم.

التدخلات الخارجية فاقمت الأزمة بسوريا وزادتها تعقيداً، وأفضت لاحتلال أجزاء واسعة من أراضيها، بعد أن اختزلت الحراك السلمي والمطالب الشعبية بهياكل هلامية تحت مسمى المعارضة السورية، ومنصات لاقتسام النفوذ والمقدرات الوطنية، لا تعدو كونها غرفاً عسكرية لاقتسام الأرض بين قوى إقليمية، تدير صراعاتها بالوكالة على حساب دماء السوريين، الذين باتوا وقوداً لحربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، أضاعت أحلامهم ودمّرت بلادهم، ونهبت جميع ما يدّخرونه كثر أم قل.
وسط كل هذه الإرهاصات، برزت مسارات أخرى أكثر انضباطاً وتنظيماً، قدّمت نفسها على أنها خيار يمكن الركون إليه، كنواة لبناء دولة سوريا المستقبل، انطلاقاً من رؤية مؤسساتية تعتمد التشاركية بين المكونات المجتمعية.

وبعد اثني عشر عاماً على هذه الحرب، التي شتّت الشمل وفرّقت الأحبة والأهل، ودمّرت البلاد وأنهكت العباد مع ضياع اجتماعي وانهيار اقتصادي وتردٍّ معيشي، ما يزال معظم السوريين يمنّون أنفسهم بتحقيق الآمال في انصلاح الحال وخلاص المعاناة وزوال الاستبداد وانتهاء الاحتلال.
تحقيق هذا الأمل يتطلب التوافق حول خارطة طريق واضحة المعالم، ترتكز على بناء سوريا الحديثة، والقطع مع كافة الأشكال السائدة سابقاً، من القمع والشمولية، وذلك بالالتفاف حول رؤية وطنية لا تقصي أيّاً من المكونات السياسية والشعبية، بذريعة دين أو قومية، وصولاً لبناء الدولة المدنية بركائزَ ديمقراطية، على أساس الاعتراف المتبادل بحقوق جميع أبنائها، وتمتعهم بالعدالة والحريّة.
