الأزمة السورية المستمرة ليست وليدة عام 2011 الذي بدأت فيه حركة الاحتجاجات الشعبية في معظم مناطق البلاد، بل نتاج البنية الأيديولوجية والإدارية لنظام حزب البعث الذي يحكم سوريا منذ العام 1963، والذي أخذ طابعاً استبدادياً ألقى بظلاله على كافة الجوانب المتعلقة بحياة المواطن السوري، وهو ما ولّد احتقاناً لدى شرائح واسعة من السوريين نتيجة الممارسات الاستبدادية من قبل نظام البعث على عموم المكونات والشعوب القاطنة في البلاد، ما أدى في النهاية إلى اندلاع احتجاجاتٍ واسعة النطاق في معظم المناطق، سرعان ما طغت عليها النزعة الطائفية بتحريضٍ وتشجيعٍ من الأنظمة الدولية والإقليمية على حدٍّ سواء.
وبموازاة اندلاع الاحتجاجات في الداخل السوري، والتي كانت عفويةً في البداية، ثم اخترقتها الدول الإقليمية وحرفتها عن مسارها لتأخذ بُعداً طائفياً، كانت شمال وشرق سوريا تشهد تحركاتٍ لإطلاق ثورةٍ اعتماداً على أيديولوجيةٍ جديدة توحّد شعوب المنطقة في نظامٍ مجتمعي ديمقراطي، تتساوى فيه حقوق جميع المكونات والشعوب، ويُحافَظ فيه على جميع الثقافات والمعتقدات، أيْ نظامٌ يتشارك في بنائه كل فئات ومكونات المجتمع، وتتحقّق فيه شراكة الجنسين في إدارة المجتمع.
[lazy-load-videos-and-sticky-control id=”MpfolroSoo4″]
أُعلنَت الثورة الأيديولوجية الجديدة في التاسع عشر من تموز 2012 انطلاقاً من مدينة كوباني شمال شرق سوريا، التي أعلن سكانُها تحرير منطقتهم من نظام البعث، تبعتها مناطق الجزيرة وعفرين.
وعلى إثرها اجتمعت مكوناتُ وشعوب المنطقة واتفقت على التعايش المشترك وتوحيد الخطاب السياسي وإنشاء نظامٍ إداريٍّ تشاركي، تحت مُسمّى “الإدارة الذاتية الديمقراطية”، التي أُعلنت بدءاً من إقليم الجزيرة في الحادي والعشرين من كانون الثاني يناير 2014، وتبعتها كلٌّ من كوباني وعفرين في الشهر ذاته.
وحّدت شعوب شمال وشرق سوريا وحداتها الدفاعية في إطار قوةٍ عسكريةٍ موحدة وتشاركية، تحت مسمّى وحدات حماية الشعب والمرأة، بعدها توسع عملها وأسست قواتِ سوريا الديمقراطية التي أُعلن عن تشكيلها في العاشر من تشرين الأول أكتوبر 2015، وفي كل منطقةٍ جديدةٍ حررها هذه القوات اجتمع أهلها معلنين إدارتها المدنية التشاركية كـ كري سبي (تل أبيض)، الطبقة، منبج، الرقة، دير الزور.
وفي السادس من أيلول سبتمبر 2018، اجتمع ممثلو الإدارات الذاتية القائمة ليعلنوا عن تأسيس “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” والتي تمثّل إدارةً تنسيقيةً للإدارات الموجودة على الأرض في شمال وشرق سوريا.
حظيت قوات سوريا الديمقراطية بدعم التحالف الدولي في حربه ضدَّ تنظيم داعش الإرهابي في شمال وشرق سوريا. وفي غرب سوريا، هاجم الجيش التركي والفصائل التابعة له منطقةَ عفرين واحتلوها في آذار مارس عام 2018م، على مرأى من الروس والأمريكيين، ودون أن يَلقى الاحتلال أي معارضةٍ جادةٍ من الحكومة السورية، فاضطرت الإدارة الذاتية لمقاطعة عفرين إلى ممارسة عملها من منطقة الشهباء “ريف حلب الشمالي”، بعد بناء مخيماتٍ للنازحين الكرد القادمين من مقاطعة عفرين، إثر الاحتلال التركي لمناطقهم.
وفي تشرين الأول أكتوبر 2019 احتلت تركيا منطقتي سري كانيه رأس العين، وكري سبي تل أبيض.
وقد توافق ممثّلو الشعوب والمكونات والفئات المجتمعية في شمال وشرق سوريا من (الكرد والعرب والسريان والآشوريين والكلدان والأرمن والشيشان والتركمان والشركس..) على عقدٍ اجتماعيٍّ مشترك ليكون بمثابة دستورٍ لمناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، حيث يُراعي هذا العَقد حقوق جميع المكونات والشعوب، وثقافاتهم ومشاركتهم ضمن نظام الإدارة الذاتية وهيكلياتها.

ماهية الإدارة الذاتية الديمقراطية
يعود اختيار وتوافق مكونات وشعوب شمال وشرق سوريا على نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية إلى وجود خصوصيةٍ لبعض المناطق والأقاليم من النواحي الإثنية والثقافية والمجتمعية، وأحقية كل إقليمٍ بإدارة شؤونه ذاتياً ضمن نظاٍم اتحاديٍّ ديمقراطي، وإلى كونه ضماناً لحقوق جميع المكونات والشعوب المتواجدة في شمال وشرق سوريا.
وهذا مؤشرٌ ودليلٌ على الديمقراطية الكبيرة التي يتمتع بها نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية، بل إن الديمقراطية الحقيقة تكمن في هذا النظام – على عكس ما تروّجه الحداثة الرأسمالية بأن الديمقراطية الحقّة تتواجد في بنية النظام الليبرالي- باعتبار أن الديمقراطية الحقة تعكس قدرة الشعوب والمكونات على تمثيل هويتها بصورةٍ أشمل.
ونظام الإدارة الذاتية الديمقراطية لا يملك أيَّ صفةٍ أو صبغةٍ قومية واحدة، بل إنها تستوعب وتضمن حقوق جميع المكونات والشعوب المتعايشة مع بعضها منذ مئات السنين.

المجال الاقتصادي
تتّخذ الإدارة الذاتية من شبه الاستقلال الاقتصادي أو (الاقتصاد المجتمعي) أساساً لها، وليس الرأسمالية الخاصة، ولا رأسمالية الدولة، وتعمل بموجب الصناعة الأيكولوجية والاقتصاد الكومينالي باعتبارهما انعكاساً للديمقراطية على حقل الاقتصاد.
ويتطلّب من الاقتصاد الاجتماعي أن يتّخذ هيكليةً قائمةً على أعمدةٍ تشكل قواعدَ الحماية المجتمعية، لكي يقوم بدوره في عملية بناء نموذجٍ اقتصادي قائمٍ على منح الأهمية القصوى للاعتبارات الاجتماعية، وتأسيس المؤسسات التي ترسّخ قواعدَ العمل الجماعي ضمن الهيكلية الاقتصادية. وتتمثّل تلك الأعمدة في الأكاديميات الاقتصادية والكومينات والجمعيات والمؤسسات الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة، وتقوم هذه المؤسسات بوظائفَ شاملةٍ تخدم عملية التنمية الاجتماعية.
وفي شمال وشرق سوريا، تمت بعض الخطوات لتحقيق استقلالٍ اقتصاديٍّ شبه كامل، فمُنحت الكومينات والبلديات المحلية مسؤولياتٍ كبيرةً تشمل الخدمات مثل التخطيط الحضَري، وإنشاء التعاونيات الاقتصادية، وتوزيع الأراضي. وقد أُنشئِت بالفعل تعاونياتٌ زراعيةٌ ونسائية بوصفها مثالاً ناجحاً على نظامٍ إيكولوجيٍّ جديد مبتكر. والتعاونيات هي مؤسساتٌ يملكها أعضاءُ متساوون، ويديرونها تحقيقاً للرفاه الاقتصادي المشترك، وهدف التعاونيات الإبقاء على فوائض الإنتاج ضمن المجتمعات المحلية، والحفاظ في الوقت نفسه على توازنٍ إيكولوجيٍّ طويلِ الأمد بين الإنتاج وتخصيص الموارد. أما أنشطة التعاونيات ومدى امتثالها للعقد التعاوني، فيتولّى تنظيمُهما مجلسُ التعاونيات، الذي تنتخبه جمعيةٌ عموميةٌ مُكوَّنة من تعاونيات الإدارة الذاتية كلها. وتُعد تعاونية “هفكرتن” نموذجاً للتعاونيات في المنطقة، وهي تنتج مجموعةً من المنتجات الزراعية، وتُدير سلسلةَ متاجرٍ في المدن والبلدات المجاورة. فيما يتخذ المجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا قراراتٍ موحدةً عبر التحاور بين الإدارات الذاتية والمدنية القائمة، كتوحيد الرسوم الجمركية وأسعار المحروقات.

المجال الاجتماعي
بدأت الثورة الأيديولوجية الجديدة في شمال وشرق سوريا بتشكيل الكومينات، التي تعدّ الخلية الصغرى والأساسية في تنظيم المجتمع، ومهمتها تقديم آليةٍ سريعة لخدمة الشعب وتنظيم الحياة الاجتماعية ليكون المجتمع قادراً على إدارة نفسه، عن طريق لجانٍ مختصةٍ في كافة المجالات، وعلى هذا الأساس تشكّلت الكومينات في قرى وأحياء البلدات والمدن.
وما يميز هذه الثورة عن غيرها من الثورات هو تنظيم المرأة في كافة المجالات، والاستمرارية في تطوير هذا التنظيم والمحافظة على طابعها النسوي خلال الثورة، وهذا ما جعل منها ثورةَ المرأة.
وأبرزت المرأة وجودها في كافة المجالات، ونظّمت نفسها في الساحات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والمدنية وغيرها، فهناك أكثرُ من عشرين جهةً نسائيةً خاصة، تعمل في شمال وشرق سوريا، وفي كل مؤسسةٍ وهيئةٍ وإدارة لجنةٌ خاصةٌ بشؤون المرأة.
ناهيك عن الدور الذي أدته المرأة في المجال السياسي والدبلوماسي، ومشاركتها في المنتديات والمحاضرات العالمية فيما يخص الأزمة السورية، ومناقشة قضايا الشرق الأوسط.
بالإضافة إلى ما حققته المقاتلاتُ ضمن وحدات حماية المرأة من بطولاتٍ في الحروب الدائرة على المنطقة، والأهمُ من ذلك قيادتُها لحرب القضاء على الإرهاب المتمثل بـ داعش وتحريرها للآلاف من الإيزيديات.
وأُقرّت “المبادئ الأساسية والأحكام العامة الخاصة بالمرأة» في عام 2014 والتي لعبت دوراً كبيراً في الحياة الاجتماعية والأسرية في المنطقة.
وتتضمن تحقيقَ المساواة بين المرأة والرجل من عدة نواحي، أبرزها “منع الطلاق بإرادةٍ منفردة”، ومساواة المرأة مع الرجل في قضايا الإرث، كما أنها تمنع تعدّد الزوجات وبعض الأشكال الأخرى من الزواج كالحيار والشغار، وكذلك منع زواج القاصرات.
وتتّبع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نظام الرئاسة المشتركة نموذجاً لتحقيق المساواة النوعية بين الجنسين، والتي لا يمكن تحقيقها أصلاً إلا في ظل إدارةٍ ديمقراطية، وقد ساهم هذا الأسلوب من الإدارة في الابتعاد عن نُظُم الإدارة المركزية المحمّلة بالذهنية الذكورية.

المجال الثقافي
كان النشاط الثقافي قُبيل عام 2011م يمارسَ في حدوده الدنيا، نتيجةَ فرض الضغوط وممارسة حالةٍ من القمع والتهميش الممنهج من قبل النظام الحاكم في دمشق على الحراك الثقافي والاجتماعي والسياسي عموماً في سوريا، وكان هناك حظرٌ على اللغة الكردية في التعليم والنشر.
لكن تغيّر كل شيءٍ في ظل الإدارة الذاتية الديمقراطية، وكان لبعض المؤسسات اللغوية والثقافية دورٌ فعّالٌ في تأسيس البنية التحتية للحراك اللغوي والثقافي والفني في المنطقة.
ويؤكد العقد الاجتماعي لنظام الإدارة الذاتية الديمقراطية على أن اللغات الكردية والعربية والسريانية لغاتٌ رسمية في التعليم والنشر وغير ذلك، وهذا أمرٌ يتجاوز كلَّ الدساتير التي سنّتها الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط، والتي ترفض حتى الآن الاعترافَ بلغات وثقافات الشعوب الأصيلة في بلدانها.
وبتأسيس الإدارة الذاتية، أُطلِقَ العنانَ لشرعنة المؤسسات والمنظمات الثقافية، وكذلك عملية التأليف والترجمة والأنشطة الثقافية والفنية بشكلٍ مؤسساتي، حيث تشرف هيئة الثقافة على تنظيم المهرجانات والمعارض الأدبية والفنية وترخيص المراكز والجمعيات الثقافية وتشجيع الطاقات الثقافية.
كما شهدت المنطقة ثورةً في حركة الطباعة والتأليف والتنظيم الثقافي والحركة الإعلامية، فأنشأت دور للنشرِ وتوزيعِ المطبوعات وافتتحت مطابعَ حديثةً لطباعة الكتب، وأصبحت العديد من الصحف والمجلات والإذاعات والمحطات التلفزيونية تصدر وتبثُّ في المنطقة وبكل اللغات الرسمية، وفي الوقت نفسه أصبح الأدباء والكتّاب يلقَون تشجيعاً. وتأسست العديد من اتحادات الكتاب والمنظمات الثقافية، وأُنشئت الجامعات والأكاديميات الثقافية والفنية وغيرُ ذلك من المظاهر الأدبية والثقافية.
أحدثت الإدارة الذاتية القائمة في الشمال السوري تغييراتٍ جذريةً في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي لصالح المجتمعات المحلية وشعوب المنطقة، ورغمَ كثرة التحديات القائمة المتمثلةِ بالاحتلال التركي لمناطقَ كانت ضمن الإدارة الذاتية، وتهديداته بغزو مناطقَ جديدة، وانقطاع الحوار مع الحكومة المركزية في دمشق، وعدم حصولها على اعترافٍ دولي وإقليمي، ما يؤثر على وضعها السياسي والاقتصادي، إلّا أن مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تُعدُّ البيئةَ الأكثرَ ديمقراطيةً واستقراراً مقارنة بالوضع القائم في مناطق سيطرة الحكومة المركزية، والمناطق المحتلة في شمال وشمال غرب سوريا.
