تصريح ترامب الأخير الذي قال فيه لقد أوقفت الحرب على إيران من أجل مصلحة العالم لكنه مرهون بإمكانية التوصل لاتفاق بسرعة، إيران ودول الشرق الأوسط طلبت وقف الهجوم، إلغاء الهجوم على إيران مرهون بإمكانية التوصل لاتفاق بسرعة.
من خلال ذلك نلاحظ مدى السرعة في قرارات ترامب المتلاحقة، وأهم ما جاء في تغريداته هو أن إلغاء الهجوم مرهون بالتوصل إلى اتفاق مع طهران بسرعة. لكن ترامب لم يحدد طبيعة هذا الاتفاق: هل هو اتفاق لفتح مضيق هرمز، أم لتسوية كل النقاط الخلافية بين الطرفين؟
في الاتفاق الأخير بين إيران والولايات المتحدة، المكون من 14 بندًا، جرى التطرق إلى فتح المضيق وحرية الملاحة فيه، ورفع الحصار، أي التزام أميركي برفعه خلال الفترة نفسها. أما فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، فقد تضمن التزام طهران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، مع خيار خفض مستويات التخصيب تحت رقابة أممية، إضافة إلى الإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة خلال فترة المفاوضات النهائية (60 يومًا)، على أن يُفرج عن نصفها قبل بدء المباحثات. هذه البنود مجتمعة تحتاج إلى نية صادقة من الطرفين لتجاوزها، لكن يبدو أن الأمور ليست كذلك.
إذن، الخلاف الجوهري الذي يفسد أي اتفاق بينهما هو الملف النووي وتخصيب اليورانيوم. فالحرب بين الولايات المتحدة وإيران بدأت نتيجة المشروع النووي الإيراني، وتبع ذلك إقدام طهران على إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. عندها توجهت أنظار العالم إلى المضيق، وارتفعت الأصوات العالمية والدول المتضررة من الإغلاق مطالبةً بالإسراع في إبرام اتفاق مع إيران بأي شكل، حتى تستأنف حركة الملاحة وتتحرك عجلة التجارة والاقتصاد. نتيجة الضغط العالمي والضغط الداخلي في الشارع الأميركي، أُبرم الاتفاق الأخير الذي وُلد ميتًا. ولهذا تسعى الولايات المتحدة، وعلى رأسها ترامب، إلى تحقيق إنجاز يُسجل له ولبلاده خلال الأسابيع القليلة القادمة، أي قبل موعد انتخابات التجديد النصفي.
المشهد الحالي يُظهر أن جميع الأطراف متضررة: إيران تئن تحت القصف الأميركي الذي طال البنية التحتية والجسور وبعض محطات الطاقة، والولايات المتحدة خسرت بعض القواعد العسكرية وتضررت أخرى في الشرق الأوسط، فضلًا عن تراجع شعبية ترامب بين صفوف شعبه. ومن هنا يمكن القول إنه لا غالب ولا مغلوب حتى اللحظة، والحرب بين الطرفين ما زالت تراوح مكانها. الأيام القادمة ربما تكون الأكثر حسماً، فكلما اقترب يوم التصويت لانتخابات التجديد النصفي، زادت احتمالات معركة الحسم.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل بعد هذا الضغط العسكري الأميركي على إيران سترفع الأخيرة الراية البيضاء وتستسلم؟ بالعودة إلى تاريخ إيران، نجد أن ثقافة الاستسلام غير واردة إطلاقًا. فلا توجد مؤشرات على استسلامها رغم الضغوط العسكرية الأميركية والتلويح بضربات قوية، حيث تواصل طهران إدارة الصراع عبر الصبر الاستراتيجي والرهان على أوراق الردع الإقليمية. فهي تنتهج استراتيجية التحمل، وتراهن على إطالة أمد المواجهة واستنزاف خصومها بدلًا من التراجع السريع. وحسب مجلة “ناشيونال إنتريست”، فإن إيران تنظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها اختبارًا للإرادة السياسية والتحمل الاستراتيجي طويل المدى، وليس مجرد معركة عسكرية قصيرة.
وبالعودة إلى موضوع المقالة، يرى الكاتب البريطاني سايمون تيسدال أن جوهر الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران لا يقتصر على طبيعة الصراع أو قوة الأطراف المنخرطة فيه، بل يرتبط أساسًا بغياب رؤية إستراتيجية واضحة لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإدارة المواجهة. وأضاف أن إدارة ترامب للأزمة الإيرانية دفعت الولايات المتحدة والعالم إلى وضع سياسي وعسكري واقتصادي بالغ التعقيد، مشيرًا إلى أن غياب التخطيط الواضح جعل من الصعب إيجاد مخرج للأزمة.
إذن، العالم اليوم حبيس قرارات ترامب السريعة، والتي حسب رأي خبراء في الحقلين النفسي والسياسي لا تستند إلى عمق في التفكير. فالنزعة الهجومية والسيطرة تتسم بأسلوب قيادي يعتمد على فرض القرارات الفورية دون انتظار دراسات مؤسسية معمقة.
موجز القول: لا تبدو الأمور متجهة نحو احتواء الملف الإيراني بشتى السبل في ظل وجود ترامب رئيسًا للولايات المتحدة. الطريق ليس سالكًا، وإذا بقي الوضع كما هو حتى انتخابات التجديد النصفي، حينها ستكون الكرة في ملعب الكونغرس الأميركي الذي سيضطلع بدوره في الأحداث الجارية، فيما العالم كله يترقب ذلك اليوم.
المصدر : العرب اللندنية
الكاتب : فتحي أحمد
