لم تقتصر آثارُ الأزمة السورية طوال السنوات الماضية، على حصد أرواح السوريين والدمار في البنى التحتية فقط، بل امتدت لتطول التراثَ الثقافي وقطاع الآثار، من خلال عملياتِ تدميرٍ متعمدةٍ وممنهجة، استهدفت مواقعَ أثريةً مُدرجةً على لوائح وقوائم التراث العالمي.
دراسةٌ حديثةٌ نشرتها مجلة Heritage السويسرية، المتخصصة في علوم التراث الثقافي والطبيعي، كشفت أن نتائجَ دراسيةً أظهرت تعرّض مئةٍ وستة عشر موقعًا، من أصل مئةٍ وتسعةٍ وتسعين موقعًا لعمليات نهب، أي ما يعادل تسعةً وخمسين في المئة من إجمالي المواقع التي جرى تقييمُها.
مجلة علمية: عفرين شهدت عمليات تجريف واسعة للآثار منذ الاحتلال التركي
المجلة صنّفت مدينةَ عفرين على أنها من أكثر المناطق في سوريا، التي شهدت منذ احتلالها من قبل تركيا وفصائلَ مواليةٍ لها، عام 2018 عملياتِ تجريفٍ واسعةً للعديد من المواقع الأثرية، التي نُفّذت بالتنسيق مع فصائلَ مسلحةٍ أو تحت حمايتها.
الدراسة أوضحت أن موقعَ عين دارة الأثري بريف عفرين، تعرض بدايةً لقصفٍ على يد الاحتلال التركي مطلع عام 2018، أعقبه سرقةُ تمثال الأسد الحجري الشهير، ونقله – بحسب الدراسة – إلى تركيا، قبل أن تبدأ عملياتُ التجريف المنظم، في شباط / فبراير 2019.
وأظهرت صورُ الأقمار الصناعية، أن أعمالَ التجريف شملت بحلول كانون الثاني / يناير 2022، التلَّين المرتفعَ والمنخفض بالكامل بموقع عين دارة، ولم يبقَ من الموقع سوى مجمعِ المعبد الحجري، بعد إزالة كمياتٍ كبيرةٍ من الطبقات الأثرية.
ومن الأمثلة التي أوردتها الدراسة، موقع النبي هوري “سيروس” بريف عفرين، حيث بدأت أعمالُ التجريف المنظم، في منتصف عام 2019، قبل أن تُظهِر صورُ الأقمار الصناعية في تشرين الأول / أكتوبر 2020، تدميرَ الموقع بالكامل تقريباً، إلى جانب إزالة أشجار الزيتون.
الباحثون رصدوا أيضاً انتشارًا واسعًا لظاهرة عسكرة المواقع الأثرية، عبر إنشاء خنادقَ وملاجِئ ومنصاتٍ مدفعيةٍ فوق التلال الأثرية.
ومن أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة، موقعا إيبلا في ريف إدلب وتل قرقور في ريف حماة، حيث حُوّلت أجزاءٌ واسعةٌ منهما إلى مواقعَ عسكرية، الأمر الذي أدى إلى تدمير طبقاتٍ أثريةٍ وترك ذخائرَ غيرِ منفجرةٍ وموادَّ ملوثة، ما يستلزم إزالة مخلفات الحرب قبل الشروع في أي أعمالِ ترميمٍ أو إعادة تأهيل.
