“بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة”… لكن حين تضيق سبل العيش، ويغدو البقاء عبئًا لا يُحتمل، يصبح الرحيل خيارًا يفرضه الواقع أكثر مما تمليه الرغبة.
فبعد أكثر من عام ونصف على سقوط النظام السوري السابق ورغم الآمال التي علّقها الكثير على المرحلة الانتقالية، أملاً بتحسن الأوضاع المعيشية وعودة عجلة الاقتصاد إلى الدوران، ما تزال خيبة الأمل تخيم على آلاف العائلات التي لم تلمس تغيراً يخفف من وطأة الفقر والبطالة.
في أرياف محافظة الحسكة، وتحديدا في ريف جبل عبد العزيز والشدادي وتل براك وتل حميس، تحولت قسوة الحياة يوماً بعد آخر إلى دافع للنزوح، لكن هذه المرة ليس هرباً من الحرب، بل بحثاً عن فرصة عمل تؤمن الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم.
ففي هذا الريف المهمش على مدى عقود، تتزايد حركة انتقال العائلات والأفراد نحو مدن سورية أخرى، كما يتجه البعض إلى لبنان، في محاولة للعثور على مصادر دخل بعد ارتفاع تكاليف المعيشة، وندرة فرص العمل.
وسبق عمليات النزوح الحالية وقفات ومظاهرات احتجاجية خلال الفترة الماضية، طالب المشاركون فيها بتحسين الأوضاع المعيشية، وتوفير فرص العمل، ومعالجة تراجع الخدمات الأساسية. ورفع المحتجون شعارات تندد بتفاقم الأزمة الاقتصادية، إلا أنها لم تأتِ بنتيجة تُذكر.
سكان محليون يقولون إن ضعف الخدمات الأساسية واستمرار الأزمات الاقتصادية دفعا كثيرين إلى مغادرة مناطقهم، بينما بات الشباب الفئة الأكثر إقبالاً على النزوح، أملاً في إيجاد وظائف موسمية أو أعمال يومية تساعدهم على إعالة أسرهم.
ورغم أن بعض الوافدين قد يتمكنون من الحصول على أعمال مؤقتة في قطاعات البناء أو الزراعة أو الخدمات، فإن كثيرين يواجهون ظروفاً معيشية صعبة في مناطق النزوح، مع ارتفاع تكاليف السكن واستمرار محدودية فرص العمل.
ويرى مراقبون أن استمرار موجات النزوح الداخلية يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، ويؤكد أن التعافي المعيشي لا يزال بعيد المنال بالنسبة لشرائح واسعة من السوريين، في وقت تتزايد فيه الدعوات لتوفير فرص عمل وتحسين الخدمات ودعم المناطق الأكثر تضرراً.
وبين البقاء في مناطق تعاني الفقر وقلة الفرص، أو الرحيل نحو مستقبل مجهول، يواصل آلاف السوريين رحلة البحث عن لقمة العيش، فيما يبقى تحسين الواقع الاقتصادي التحدي الأبرز أمام السلطات خلال المرحلة المقبلة.
