بعد سنواتٍ من الجفاف في سوريا، جاءت الهطولاتُ المطرية هذا العام، لتهدّد بوقوع كارثةٍ إنسانية، في محافظتي الرقة ودير الزور، والقرى والبلدات في حوض نهر الفرات، وذلك عقب فتحِ تركيا بوابات سد أتاتورك، لأولِ مرةٍ منذُ سبع سنوات بعد امتلائه بالكامل.
فتحُ بوابات السد، جاء دون سابقِ إنذار، وفق ما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان، ليضعَ حياة آلاف السوريين وممتلكاتهم، في مواجهة الطبيعة التي لا يقوى عليها أحد، لا سيما مع ضعف البنى التحتية في المنطقة، وكذلك الإمكانيات، إلى جانب التعديات والمخالفات السكنية، المقامةِ ضمن حرم النهر وسريره.
تركيا التي اعتادت في السنوات السابقة حبسَ مياه نهر الفرات، وعدم السماح بمرور ما يتجاوز مئتين وخمسين مترًا مكعبًا في الثانية، من أصل خمسمئةِ مترٍ مكعبٍ هي حصةُ سوريا من مياه الفرات، سمحت بتدفق مياه النهر، بأكثرَ من ألفي مترٍ مكعبٍ في الثانية، لتشهدَ دير الزور والرقة موجةَ فيضانات، تعدُّ الأكثر خطورةً منذ سنوات.
التدفق الكبير للمياه من تركيا أدى إلى ارتفاعٍ كبيرٍ في منسوب نهر الفرات، الذي غمرَ مناطقَ سكنيةً وزراعية واسعة، وعزل بلداتٍ وأحياء كاملة، عقب فتح المفيضات في سد الفرات، لتخفيف الضغط على جسم السد، حيث ارتفع منسوبُ البحيرة بشكلٍ سريع، ومع زيادة التصريف، اندفعت كمياتٌ كبيرة من المياه نحو الرقة ثم دير الزور، لتبدأ مرحلةُ الغمر الواسع للمناطق المنخفضة والأراضي الزراعية المحاذية للنهر.
أزمةٌ تحولت سريعاً من ارتفاعٍ مائي موسمي، إلى حالة استنفارٍ ميداني وخدمي، بعدما بدأت المياه تجتاح الأراضي المنخفضة والطرق الزراعية والمعابر الترابية، وصولاً إلى محطات المياه والمناطق مأهولة.
مناطق واسعةٌ على ضفتي النهر باتت معزولة، مع صعوبة الوصول إليها نتيجة انهيار بعض المعابر الموقتة وغمر طرق رئيسيةٍ بالمياه، ما زاد المخاوف من اتساع رقعة الأضرار خلال الساعات المقبلة.
وأظهرت التقديرات الأولية خروجَ نحو 50 محطةِ مياهٍ عن الخدمة، من أصل 210 محطاتٍ على امتداد حوض الفرات، نتيجة الغَمر المباشر أو الجزئي بمياه الفيضان، ما أدى إلى توقف عمليات الضخ في عددٍ من القرى والبلدات.
ويهدد هذا الواقع بتفاقم أزمة مياه الشرب والري لآلاف العائلات، خصوصاً في المناطق التي تعتمد بشكلٍ شبه كاملٍ على هذه المحطات كمصدرٍ أساسي للمياه، فيما يحذر مختصون من توسُّع الأعطال، إذا استمر ارتفاعُ المنسوب أو تأخرت عمليات الصيانة الطارئة.
وتُعد الزراعة من أكثر القطاعات تضرراً من الفيضانات، إذ غمرت المياهُ مساحاتٍ واسعةً من الأراضي الزراعية، بينها حقولٌ موسميةٌ وأخرى دخلت مرحلةَ ما بعد الحصاد.
وأعادت الفيضانات الحالية ملف الجسور المدمرة في دير الزور إلى الواجهة، بعدما كُشف مجدداً حجمُ الأزمة البنيوية التي تعيشها المحافظة منذ سنوات، إذ لا تزال معظمُ الجسور الرئيسية على نهر الفرات خارج الخدمة منذ الحرب، ما فرض واقعاً جغرافياً وخدمياً معقداً بين ضفتي “الشامية” و”الجزيرة”، وسط غياب أي حلولٍ حكوميةٍ منذ سقوط النظام السابق.
ومع انهيار المعابر البرية، عاد السكانُ للاعتماد على القوارب الصغيرة والعبّارات النهرية كوسيلةٍ شبه وحيدةٍ للتنقل بين الضفتين، رغم المخاطر الكبيرة المرتبطة بالتيارات القوية وغياب وسائل السلامة.
وتشير شهاداتٌ محليةٌ إلى أن كثيراً من هذه القوارب، غير جاهزةٍ للتعامل مع الوضع الحالي، ما يجعل عمليات العبور محفوفةً بالمخاطر، خصوصاً للأطفال وكبار السن والمرضى.
ومع غياب أي دورٍ حقيقي للحكومة السورية الانتقالية في التقليل من حجم الأضرار، أطلق ناشطون وصحفيون وسكانٌ محليون، حملةً بهدف تسليط الضوء على حجم الكارثة والمطالبة بتحركٍ عاجل.
ومع استمرار ارتفاع منسوب الفرات، تبقى المخاوف مفتوحةً على مزيد من الخسائر، في وقتٍ لا يطالب فيه الأهالي سوى بخطواتٍ عاجلةٍ تحمي البشر، وتعيد للنهر مجراه، دون أن يتحوّل إلى كارثة.
