تعيش منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر لحظات تاريخها الحديث حرجاً، حيث يقف الإقليم على حافة معادلة صفرية تتأرجح بين تسوية مرحلية وانفجار شامل وممتد.
فالمشهد الميداني والسياسي الراهن ليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بل هو ساحة اختبار معقدة تتداخل فيها الحشود العسكرية الحذرة مع كواليس الدبلوماسية الخشنة وعواصم القوى العظمى التي تعيد صياغة النظام الدولي انطلاقاً من مياه مضيق هرمز الصاخب.
وفي قلب هذا الحراك الدبلوماسي الراهن الذي تقوده الوساطة الباكستانية-القطرية، تتبلور مسودة “مذكرة تفاهم مرحلية” تتألف من تسعة بنود تفكك بذكاء لغم المواجهة المباشرة.
وقد تكمن هذه المقاربة في اعتماد استراتيجية “فصل المسارات” إذ نجح الوسطاء في إقناع الإدارة الأمريكية والقيادة الإيرانية بتجميد التفاوض حول الملف النووي المعقد وإرجائه لمدد تتراوح بين ثلاثين إلى ستين يوماً شريطة التركيز المطلق والآني على صياغة هدنة عسكرية مستدامة ووقف الحصار البحري المتبادل. بيد أن هذه المقاربة تصطدم بعقدة مضيق هرمز ففي حين تتمسك واشنطن بحرية الملاحة المطلقة الخالية من أي قيود إيرانية، تحاول طهران فرض واقع التدقيق الأمني للسفن العابرة كأداة سيادية لمراقبة خطوط الإمداد، وهو تجاذب يعكس حقيقة أن الأطراف لا تبحث عن سلام دائم بل عن هدنة تكتيكية تمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس لترميم قدراتهم العسكرية المنهكة بعد جولات القصف العنيفة إبان الحرب الأمريكية الإيرانية.
و في إعتقادي لا يمكن قراءة فرص نجاح هذه الهدنة دون الغوص في دلالات الحراك السياسي الأخير في بكين، فالزيارة التاريخية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في منتصف هذا الشهر لم تكن مجرد رسالة تهدئة تقليدية لطمأنة أسواق الطاقة المذعورة بل كانت محاولة أمريكية جادة لتوظيف النفوذ الاقتصادي للتنين الصيني-باعتباره المشتري الأكبر للنفط الإيراني و للضغط على طهران ودفعها لتقديم تنازلات في ملف الملاحة البحرية.
غير أن الاستراتيجية الأمريكية التي اتسمت بالغطرسة السياسية عقب القمة و حين أعلن ترامب أن بلاده قادرة على حسم ملف إيران عسكرياً دون مساعدة صينية وهو ما جعلها قد قوبلت برد سريع ومحكم من محور الشرق.
إذ أنه لم يكد حبر القمة الأمريكية-الصينية يجف حتى حط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رحاله في بكين ليعلن عن تحالف استراتيجي متجدد وعميق، و هذا التزامن يبعث برسالة جيوسياسية بالغة الوضوح للبيت الأبيض مفادها أن إيران تمثل حجر زاوية في الأمن القومي للمحور الشرقي، وأن أوراق الضغط في الشرق الأوسط مرتبطة ارتباطاً عضوياً بملفات تايوان وأوكرانيا، وبأن أي محاولة أمريكية لفرض معادلة أحادية ستواجه بمقاومة استراتيجية صلبة.
أما على المستوى الداخلي فيواجه الرئيس ترامب ضغوطاً متصاعدة تحد من ممر خياراته العسكرية المفتوحة فمثلاً على الصعيد القانوني يقف الكونغرس بالمرصاد لما يصفه بالتغول التنفيذي وتجاوز قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 والذي ينص ضرورة على إلزامية تصويت الكونغرس على الحرب.
وإذا كانت إدارة أوباما قد ناورت في حرب ليبيا عام 2011 عبر التلاعب اللغوي بمصطلح الأعمال العدائية، فإن إدارة ترامب تحاول اليوم ابتكار سابقة قانونية عبر الادعاء بأن الهدنة المؤقتة تنهي الحرب وتصفر عداد الأيام الستين القانونية.
لكن الكابوس الحقيقي للإدارة الأمريكية يكمن في ثنايا التقارير العسكرية الصادمة الصادرة عن البنتاغون والتي كشفت أن منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية استهلكت ما يربو على نصف مخزونها الاستراتيجي من صواريخ الاعتراض لحماية الأجواء الإسرائيلية من الضربات الإيرانية الكثيفة وهو نزيف صاروخي يشكل نقطة ضعف استراتيجية كبرى لواشنطن ويجعل الدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد مع طهران انتحاراً عسكرياً قد يحرم الولايات المتحدة من القدرة على الردع في جبهات أخرى تتربص بها الصين وروسيا.
ورغم قوة الدوافع الدبلوماسية، يظل التأهب العسكري الإسرائيلي اللغم الأقوى القابل لتفجير المشهد برمته في أي لحظة، ذلك أن تل أبيب تنظر إلى بنود الهدنة الحالية بعين الريبة والرفض، إذ ترى فيها طوق نجاة يمنح الحرس الثوري الإيراني الفرصة الكاملة لإعادة ترميم بنيته الصاروخية ومصانع مسيراته التي تضررت في الضربات السابقة.
وبناءً على ذلك، تبدو القيادة الإسرائيلية مستعدة تماماً للتمرد على الرغبة الأمريكية وتنفيذ ضربات أحادية الجانب تستهدف المفاعلات النووية الإيرانية المدفونة تحت الأرض، ومثل هذا السيناريو سيعني فوراً الانتقال المباشر نحو السيناريو الصفرى المرعب الذي يبدأ باشتعال الجبهات بالكامل وسقوط كافة التفاهمات والهدنات الهشة في جنوب لبنان وسوريا، وصولاً إلى استهداف شريان الطاقة العالمي عبر انتقال الرد الإيراني إلى ضرب منشآت الطاقة والموانئ الحيوية في دول الخليج وحلفاء واشنطن الإقليميين لتوسيع كلفة الحرب، وانتقالاً إلى التدويل العسكري المباشر من خلال حدوث شلل تام في مضائق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، مما يفرض على قوى دولية كبرى كالصين وروسيا التدخل العسكري المباشر لحماية خطوط إمداداتها الحيوية التي تمس أمنها القومي الغذائي والصناعي.
و أمام كل هذه التطورات العالمية و الصراعات الكبرى يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مخاض تاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معنى فالقوى الإقليمية والدولية بلغت السقف الأعلى للمناورة العسكرية والسياسية ولم يعد هناك متسع للمزيد من حافة الهاوية.
والكرة الآن باتت بوضوح في أروقة صنع القرار في البيت الأبيض وشارع باستور في طهران، فإما الإعلان الرسمي عن قبول مذكرة التفاهم المرحلية لتدخل المنطقة في طور تهدئة باردة ومؤقتة تمنح العالم فرصة لإعادة ترتيب أوراقه، أو الانزلاق نحو لغة الحديد والنار التي لن تقتصر شظاياها على جغرافيا الشرق الأوسط، بل ستعيد تشكيل خارطة النفوذ العالمي بأسره.
إعداد : صهيب المزريقي
#قناة_اليوم
