اللغة الكردية بالنسبة للكرد، تعد أكثرَ من مجرد وسيلةٍ للتواصل؛ إنها الوعاء الذي حفظ تاريخهم من الضياع، في ظل ظروفٍ سياسيةٍ وجغرافية معقدة.

وفي قلب هذا الصمود، تعد المرأةُ الكردية القلبَ النابض للحَراك الثقافي واللغوي، واستطاعت عبر أجيالٍ متلاحقةٍ أن تنقل اللغةَ من حيّز الشفاهية والمنزل، إلى مصافِ المؤسسات والاعتراف الوطني.
اللغة بالنسبة للكرد هي إرثٌ عاطفي وفعلُ مقاومة، ودورُ المرأة في الحفاظ على اللغة بدأ من “المهد”، ففي الفترات التي حُظر فيها التحدثُ بالكردية في الفضاءات العامة، كان المنزل هو القلعةُ الأخيرة للهوية.
بفضل الأم الكردية، بقيت المفردات حيةً عبر “الأغاني التراثية” و”الحكايات الشعبية” التي كانت تُروى للأطفال، مما خلق حواجزَ طبيعيةً أمام سياسات الصهر الثقافي، هذا الدور لم يكن مجرد واجبٍ عائلي، بل كان فعلاً سياسياً واعياً حافظ على نقاء اللغة وجذورها الأصيلة.
ومن الشفاهية إلى التدوين، كان صدورُ مجلة “هوار” يومَ الخامس عشر من أيار، عام ألفٍ وتسعمئةٍ واثنين وثلاثين، اللبِنَةَ التي وضعت الأبجدية الكردية اللاتينية، ولم تكن المرأةُ غائبةً عن هذا التحول الفكري؛ فقد برزت شخصياتٌ مثل روشن بدرخان، التي تجاوزت دورها كشريكةٍ للأمير جلادت بدرخان، لتصبحَ كاتبةً ومدرسة ومناضلة ثقافية.
في تلك الحقبة ساهمت النساء في الترويج للأبجدية الجديدة، وأدركن مبكراً أن بقاءَ اللغة مرهونٌ بتدوينها وتعليمها، مما مهّد الطريقَ لتحويل ذكرى صدور المجلة، إلى يومٍ وطني يُحتفى به رسمياً.
مع تطور حركة الوعي الكردي، انتقلت المرأة من الحفاظ العفوي على اللغة، إلى النضال المنظم، فقد انخرطت آلافُ النساء في إدارة المؤسسات اللغوية والأكاديميات، حيث ساهمن في وضع المناهج الدراسية، وصياغة الكتب المدرسية باللغة الكردية، وضمان جودتها اللغوية.
في الوقت الراهن، تشكل النساء الكرديات رقماً صعباً في المشهد الأدبي (روايةً، شعرًا، صحافة)، هذا النِتاج الأدبي النسوي، أعاد إحياءَ لهجاتٍ محلية كانت مهددةً بالاندثار، وساهم في عصرنَةِ اللغة الكردية، لتواكب متطلبات التكنولوجيا والإعلام الحديث، مما جعل الاحتفال بالخامس عشر من أيار تتويجاً لجهدٍ معرفي مستمر، وليس مجرد ذكرى عابرة.
ورغم جميع التحديات والقيود لفتح صفوف لتعليم اللغة الكردية، نجحت المرأة الكردية بتحويل “يوم اللغة” من مناسبةٍ رمزية، إلى منصةٍ للمطالبة بحق التعلم باللغة الأم في المحافل الدولية.
إن صمود اللغةِ الكردية اليوم، هو ثمرةٌ لتراكمٍ نضالي بدأت خيوطه من حكايات الجدات، وصولاً إلى أقلام الكاتبات والأكاديميات، وبفضل هذا الإصرار، تحول الخامس عشر من أيار إلى رمزٍ للانتصار الثقافي، حيث تقف المرأة الكردية فخورةً بأنها لم تحفظ لغتها من الاندثار فحسب، بل جعلت منها لغةً حية، تُقرأ، تُكتب، ويُحتفى بها عالمياً.
