لا تبدو الفجوة بين النظرية والتطبيق في الحدث السوري مجرد خلل وظيفي، بل هي جوهر الأزمة التي تعصف بالمجتمع السوري منذ أكثر من عقد، وربطاً بذلك ثمة تساؤل جوهري يتعلق بقدرة الخطاب السياسي على أن يلامس واقع السوريين، خاصةً إذا كان هذا الخطاب يرتكز على مفاهيم مجردة لا تنسجم مع متغيرات الواقع السوري والتحولات العميقة بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ نتيجة لذلك فإن الحدث السوري وبشكل واضح يمثل حالة من التفاعل بين التنظير السياسي وواقع السوريين، حيث تبرز فجوة عميقة بين ما تطرحه الخطابات السياسية من مفاهيم نظرية وبين ما يعيشه السوريون من تجارب مريرة وتراجع الثقة بالآخر وبراغماتية فرضتها واقعية الصراع. من هنا، لا يمكن لأي مقاربة سياسية أن تكتفي بالتنظير، بل يجب أن تُبنى على فهم دقيق لواقع السوريين، وتعمل على تقريب المسافة بين المفاهيم النظرية والتطبيق العملي.
بهذا المعنى فإن السوريين وربطاً بالفجوة بين النظرية والواقع لم يعودوا ينظرون إلى السياسة من خلال العدسة المثالية التي تروج لها بعض الخطابات، بل من خلال تجاربهم والواقع الذي فُرض عقب سقوط نظام الأسد، حيث أصبحت الحاجة إلى الأمن والعدالة والعيش الكريم أولوية قصوى تفوق أي خطاب أيديولوجي أو تحليل نظري؛ هذا الواقع يفرض على أي خطاب سياسي أن يكون حساساً للفجوة بين ما يُقال وما يُفعل، وأن يدرك أن المفاهيم مثل السلم الأهلي والمواطنة ليست مجرد مصطلحات يمكن إدراجها في الوثائق فقط، بل هي قيم يجب أن تُترجم إلى أفعال ملموسة في حياة السوريين، عبر مؤسسات قادرة على ضمان الحقوق وسياسات تحقق المساواة، وآليات تُشجع على التعايش والتسامح، والأهم بناء مسارات سياسية واضحة تُعالج جذور الأزمة السورية.
إتساقاً مع ما سبق، فإنه لا يمكن بناء مستقبل سوري مستقر فقط بالتنظير السياسي، بل يجب أن يقترن ذلك بخطوات عملية تُعزز السلم الأهلي والمواطنة الفعلية والمشاركة الحقيقية في العمل السياسي، وهذا يتطلب إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وضمان الحماية للجميع دون تمييز، وتمكين المجتمع من المشاركة في صنع القرار، كما يتطلب ذلك إرساء ثقافة سياسية تقوم على الحوار والتفاهم، بعيداً عن الخطابات النخبوية التي تفتقر إلى الجذر الشعبي، وتبقى محصورة في نخبة لا تمثل واقع السوريين.
من هنا فإن المقاربة الصحيحة للحدث السوري لا تكمن في تكرار المفاهيم النظرية، بل في قدرتها على ربط هذه المفاهيم بالواقع وترجمتها إلى خطوات عملية تُعزز السلم الأهلي والمواطنة الفعلية، وتُعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتُسهم في صنع مستقبل يعكس تطلعات السوريين، لا مجرد أحلام النخب السياسية؛ هذا الأمر يتطلب التأسيس لواقع سياسي يشارك من خلاله السوريون بشكل حقيقي، يتجاوز التمثيل الشكلي إلى مشاركة جوهرية في صنع القرارات، حيث يصبح الصوت الشعبي قوة دافعة لا مجرد صدى للنخب، الأمر الذي يعني بناء منطق سياسي يعمل على زيادة الوعي السياسي لدى الجماهير، من خلال تعزيز التواصل السياسي والاجتماعي والحوارات المحلية، مما يحول المواطن من متلقٍ سلبي إلى مشارك فاعل يفهم تعقيدات السلطة والحقوق.
في النهاية، يدرك السوريون أن بناء مستقبل مستقر لا يقتصر على التنظير السياسي أو الخطابات الأيديولوجية، بل يستلزم خطوات عملية ملموسة تعزز السلم الأهلي والمواطنة الحقيقية. يتطلب ذلك في جوهره، إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وضمان حماية شاملة دون تمييز، وتمكين المجتمع من المشاركة الفعالة في صنع القرار، كما يفرض إرساء ثقافة سياسية مبنية على الحوار والتفاهم، بعيداً عن الخطابات النخبوية السطحية التي تفتقر إلى الجذور الشعبية وتبقى محصورة في دوائر لا تعكس واقع السوريين. هذه المهمة غير قابلة للتأجيل أو التغاضي عنها في أي مشروع وطني يهدف إلى فهم وحل الأزمة السورية بتعقدياتها وتحدياتها الوطنية.
الكاتب: أمجد إسماعيل الآغا
