شهد شهر نيسان/ إبريل الماضي، جملةً من القرارات التي اندرجت تحت ما أسمتها جهاتٌ رسميةٌ في الحكومة السورية الانتقالية، “بخطط التنظيم العمراني”، التي استهدفت مدينةَ الرقة وريفها، لكنها أثارت جدلاً واسعاً، لما يترتب عنها من هدمِ البلديات المحلية، لآلاف المنازل والعقارات والمحالِّ التجارية، المملوكة رسمياً لعوائلَ سوريةٍ تقطن تلك المناطق منذ عقود.
آخر هذه القرارات أصدرها محافظ الرقة، عبد الرحمن سلامة الملقب بأبو إبراهيم، الذي قضى بإخلاء آلاف المنازل والممتلكات في حي الأندلس، امتدادًا حتى دوار الحزيمة، تمهيدًا لإزالتها بشكلٍ كاملٍ من قبل الجهات البلدية.
أسلوب الإخطار الحكومي هو أكثرُ ما أثار استفزاز الأهالي، إذ استيقظوا بين ليلةٍ وضحاها على عباراتٍ حمراءَ مدونةٍ على محالهم وجدران منازلهم، تُنذر بضرورة الإخلاء خلال مدةٍ معينة، ما اعتبر إهانةً لكرامات المواطن السوري وتعدياً صارخاً على حقوقه.
مئات الأفراد من تلك العائلات قصدوا ساحة المحافظة في الرقة، لشجب تلك القرارات التي لم تتطرق لأمورِ التعويض، ولم تكترث بحياة ومعيشة آلاف العوائل، وذاكرتهم المعنوية والوجدانية المرتبطة بمناطق سكناهم الأصلية، أو النقاش معهم حول إرادتهم في التغيير الذي فُرض عليهم كأمرٍ واقع، من جهةٍ أعلى سلطةً منهم وهي الدولة.
ما أثار الجدل في الأوساط العامة، هو ترتيب الأولويات الحكومية، فالرقة التي بسطت عليها الحكومةُ الانتقالية سيطرتها مؤخراً، تعاني من سوء الخدمات والتجويع وفقدان الأمن وانعدام المحروقات والكهرباء، وتشهد باستمرارٍ احتجاجاتٍ شعبيةً تندد بالإهمال الحكومي، وتطالب بتنظيم أمور الأهالي، مما يضع مسألةَ التطرق إلى توجيه التمويل نحو مخططاتٍ تحت مُسمّى التنظيم العمراني في المنطقة، محلَّ استهجانٍ كبير.
قراءاتٌ كثيرةٌ تناولت أبعاد القرار الحكومي، الذي يهدد حيّاً كاملاً هو حي الأندلس، الذي يشمل أربعة آلاف منزل، مهدد بالجرف بذريعة أن الحي يعود لأملاك الدولة العامة، فالتحقيقات الإعلامية تقول إن غالبية سكان الحي هم من المكون الكردي، مما يثير مخاوف من محاولات إحداث تغيير ديمغرافي وإحداث شرخ اجتماعي، ليس ببعيد الأثر عن الذاكرة الكرديةـ بعد أن استخدم الاحتلال التركي فصائله تحت مسمى الجيش الوطني السوري، لتهجير مئات آلاف الكرد من مناطقهم في عفرين ورأس العين/ سري كانيه، وسلبت ما سلبت من ممتلكاتٍ مادية وتعدت على الإرث التاريخي للمكان، على مدار سنوات.
وعلى الرغم من تأكيد الأهالي امتلاكَهم وثائقَ تملُّكٍ رسميةً تعود لسنوات طويلة، إلا أن المهلة المحددة التي منحتها الحكومة لأهالي “الأندلس” بالإخلاء، تغلق الباب أمام النقاش وفرصة الاطلاع على الوثائق، في إجراءٍ وجده الأهالي تعسفياً بحقوق الملكية مستنكرين تعاطي الدولة مع ملفات مواطنيها.
في تظاهرة بساحة المحافظة طالب أهالي “الأندلس” جميعَ أهالي الرقة باتخاذ موقف صارم، بدل الوقوف مكتوفي الأيدي، والنداء بصوتٍ واحد لقطع الطريق أمام ما أسموها بالانتهاكات الحكومية، وحثّوا على ضرورة الاستمرار بالخروج إلى الاعتصامات، والتعبير عن الغضب من الواقع المعاش في المنطقة.
وفي سياقٍ متصل خرجت عشرات العائلات من أبناء منطقة الشيخ عقيل، الواقعة في ريف مدينة الباب، شمال شرقي حلب، خلال الشهر الفائت، مطالبين بمواصلة احتجاجهم الشعبي والسلمي، إثر ما يعيشونه من أوضاعٍ إنسانية صعبة، في ظل فقدان منازلهم وممتلكاتهم منذ أعوام.
المحتجون طالبوا باستعادة ممتلكاتهم بعد حادثةِ تجريف، شهدتها المنطقة في عام 2017، ليبني الجيش التركي قواعده فيها ويحول المنطقة السكنية إلى ما أسموه بالثكنة العسكرية، خاصةً وأن عمليات الجرف مستمرةٌ لتقضم مزيدٍ من الأراضي، في خرق واضح لسيادة الدولة.
ناشطون محليون طرحوا تساؤلاتٍ عن جدوى بقاء القواعد العسكرية التركية، والحاجة لتوسيعها، خاصة مع انسحاب القوى الدولية والإقليمية من قواعدها في الأراضي السورية، التي أنشأتها خلال أعوام الأزمة في مناطقَ متفرقةٍ من البلاد وبذرائعَ مختلفة، بعد سقوط النظام وانحسار تواجد القواعد الروسية في موانئ الساحل السوري، مستنكرين دورَ المجالس المحلية لمناطقهم، بالقيام بدورها في حماية حقوقه السكان الأصليين وممتلكاتهم، واسترجاع ما تم قضمه منها ومنح الأهالي التعويضات.
في أواخر عام 2016، سيطرت فصائلُ مسلحة تابعة لتركيا، على جبل الشيخ عقيل، والذي يُعتبر موقعاً استراتيجياً يطلُّ على كامل مدينة الباب، بالتوازي مع تمكنها من السيطرة على الطريق الدولي الواصل من الباب إلى حلب حينها، حيث مهدّت تلك الفصائل لإقامة قواعدَ عسكرية تركية على الأراضي السورية، تسعى إلى تعزيز بقائها اليوم، عبر التمدد في سياسة جرف أملاك السكان الأصليين.
رغم ذلك عبّرت الاحتجاجات الشعبية للأهالي عبر بيانٍ موحد، عن تمسكها بكامل حقوقها المشروعة، مؤكدةً رفضها أي تعدٍّ على الأراضي التي خُصّصت لها كتعويض، وطالبت بمنح الأهالي القسمَ الغربي من محضر جبل عقيل الواقع غرب القاعدة كتعويض، بعد أن تجاهلت البلدية المحلية العملَ في تنفيذ مشاريع التأهيل على الأرض المخصصة لهم.
مؤخراً، برز ملف الأوقاف العثمانية الذي أُثار جدلاً واسعاً في الأوساط السورية و تساؤلاتٍ حول سياسة الدولة في التعامل مع ملف الإعمار، واستخدامه لدرء العجز الاقتصادي، عبر فرض ضرائبَ تصل إلى آلاف الدولارات، لمُلّاكِ أماكنَ شعبيةٍ وحضارية تشكل هويةَ سوريا الحديثة في حلب والعاصمة دمشق، رغم أنها أملاكٌ رسميةٌ لأصحابها.
وزارة الأوقاف التابعة للحكومة الانتقالية، أعلنت عزمها إعادة إرث العثمانيين على الأراضي السورية إلى نطاق أملاك الدولة، رغم أنها أراضٍ تعود إلى ما قبل تشكل الدولة السورية الحديثة؛ ليستوجب حينها على مُلّاك هذه الأراضي التي تحولت لبساتين ومشاريعَ استثماريةٍ ضمن القطاع الخاص، دفعُ أجرةٍ كبيرةٍ لاستثمارها مشاريعَ أقيمت على أراضٍ تعتبرها السلطاتُ أملاكَ الدولة.
جدل اقتصادي وقانوني وسياسي استحدثه الموضوعـ منذ أن أثارته وزارة الأوقاف فقوانين السجل العقاري السوري تعود إلى عهد الانتداب الفرنسي، (القرار رقم 186 لعام 1926 وقانون الملكية العقارية رقم 39 لعام 1930)، وجُلُّ التعديلات التي طرأت عليها تمت في ذلك العهد.
وفي ظل غيابِ وضوحٍ كاملٍ حول الآليات التي ستعتمدها الوزارةُ لاستعادة “الإرث العثماني”، يتخوف مراقبون من إعادة إنتاج صراعٍ جديدٍ على الملكية، في بلدٍ لم يتعافَ بعد من تداعيات الحرب، لتلتحقَ بملفاته قضايا حماية الحقوق المكتسبة.
ويرى سوريون أن الملفات الثلاث، تحمل دلالاتٍ عن إعادة توزيع السيطرة، وأن الإجراءات الحكومية فيها تحملُ رسائلَ سياسية، تسعى لفرض شرعيةِ الدولة وهندسة مراكز القوة، فالوجود التركي يوضح أن الإعمار يجري ضمن توازناتٍ إقليمية، وليس قراراً سيادياً خالصاً، ويبقى التخوّف من مخاطر هذا المسار، وما يخلفه من آثار تهميش السكان المحليين، وخلق نزاعاتٍ على الملكية وترسيخ نفوذٍ خارجي طويل الأمد.
