مرّ شهر كامل على دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في غزة حيّز التنفيذ، لكن هذا الوقت القصير كان كافياً لكشف هشاشة الأسس التي يقوم عليها الاتفاق، وإظهار أن التحديات التي تنتظر المرحلة الثانية من الإطار السياسي والأمني قد تكون أكثر تعقيداً بكثير مما بدا عند الإعلان عنه. وبينما انشغل العالم في الأسابيع الأولى بتثبيت وقف إطلاق النار ومنع عودة القتال، بدأ التركيز تدريجياً يتحول نحو المرحلة التالية التي يُفترض أن تُعيد رسم ملامح الواقع الأمني والسياسي في غزة.
وفي هذا السياق، جاءت اجتماعات وزراء خارجية مجموعة السبع في أونتاريو، التي منحت زخماً إضافياً للنقاش حول كيفية المضي قدماً، لكن النقاشات، وإن عكست اهتماماً دولياً، كشفت أيضاً حجم القلق من أن تكون المرحلة الثانية اتفاقاً بلا أدوات، ورؤية بلا مسار تنفيذي واضح. وتُظهر القراءة المعمقة لبنود المرحلة الثانية أن غياب الجداول الزمنية وآليات التنفيذ لا يهدد فقط بطء التقدم، بل يفتح الباب أمام إعادة تفجير الأوضاع في أي لحظة.
وينص الاتفاق على انسحاب تدريجي لإسرائيل مما يُعرف بالخط الأصفر وصولاً إلى الخروج الكامل من غزة، مقابل التزام حماس بنزع سلاحها والسماح بتشكيل سلطة انتقالية، ونشر قوة أمنية متعددة الجنسيات لتحلّ محل الجيش الإسرائيلي. لكن هذه الالتزامات، على أهميتها، تبدو أقرب إلى نوايا سياسية منها إلى خطوات قابلة للتنفيذ، إذ لم يحدد الاتفاق من سيضمن انسحاب إسرائيل، من سيشرف على عملية نزع السلاح، كيف ستتشكّل السلطة الانتقالية، ولا من سيقود القوة الأمنية متعددة الجنسيات.
وتقول ألكسندرا شارب، كاتبة في مجلة فورين بوليسي إن هذا الغموض البنيوي هو ما يجعل الخبراء يعتبرون أن الاتفاق في صورته الحالية قابل للتعثر قبل أن يبدأ فعلياً. وقد عبّر وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي عن هذا القلق بشكل واضح، حين أكد أن جميع الأطراف تتشارك الرغبة في إنهاء الصراع، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية جعل الخطة قابلة للتنفيذ.
ولا يعكس هذا الكلام فقط موقف الأردن، بل يجسّد موقفاً عربياً ودولياً أوسع يرى أن المشكلة ليست في غياب الإرادة، بل في غياب الآليات التي تضمن تحويل الرغبات إلى واقع. فالاتفاق بلا جداول زمنية يتحول إلى عملية مفتوحة وغير محكومة، ما يسمح لكل طرف باستخدام الوقت كسلاح تفاوضي، ويسمح للأطراف المتضررة بعرقلة التنفيذ من دون خرق الاتفاق شكلياً.
وفي هذا السياق، جاءت الوثائق الخاصة التي حصلت عليها مجلة بوليتيكو لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ كشفت أن عدداً من مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبدي تشككاً واضحاً في إمكانية تنفيذ المرحلة الثانية.
وفي عرض تقديمي وُجّه إلى القيادة المركزية الأميركية ومركز التنسيق المدني العسكري الذي أنشئ حديثاً، أعرب خبراء عن خشيتهم من أن مبادرة القوة متعددة الجنسيات التي يُعوّل عليها لضبط الأمن في غزة قد لا ترى النور، بسبب ضعف التزامات الدول المرشحة للمشاركة، والغموض المحيط بالجهة التي ستتولى الإشراف النهائي على حكم غزة. وتمثل هذه النقطة بالتحديد جوهر الإشكالية، فغياب جهة واضحة للإشراف على الحكم يجعل كل الخطوات الأخرى، من نزع السلاح إلى ضبط الأمن، بلا حامل سياسي أو إداري يمكن التعويل عليه.
وتضيف الوثائق نفسها بعداً مقلقاً آخر، وهو أن حماس بدأت بالفعل في إعادة تأكيد سلطتها على الأرض من خلال الإنفاذ القسري والشرطة، مستفيدة من حالة الفراغ الأمني التي خلّفها الانسحاب الجزئي للجيش الإسرائيلي من بعض المناطق. وتشر التقديرات الأميركية إلى أن الحركة أعادت نشر سبعة آلاف عنصر أمن في المناطق المكتظة سكانياً، ما يعني عملياً أن القوة التي كان يفترض أن تحلّ محل الجيش الإسرائيلي موجودة بالفعل، لكنها ليست دولية، ولا انتقالية، بل تتبع الحركة نفسها.
و يعقّد هذا التطور مهمة أي قوة متعددة الجنسيات لاحقاً، لأنه يخلق بنية أمنية قائمة على الأرض يُفترض تفكيكها قبل نشر أي قوة بديلة، وهو ما يجعل تنفيذ الاتفاق على الأرض أمراً شاقاً. وتزداد الأمور تعقيداً مع استمرار الرفض الإسرائيلي لأي دور للسلطة الفلسطينية، وهو الرفض الذي يلغي أحد أبرز الحلول المتاحة لتشكيل سلطة انتقالية تمتلك الشرعية والخبرة الإدارية.
وبينما ترى واشنطن وبعض العواصم الأوروبية أن السلطة الفلسطينية، رغم ضعفها الحالي، تبقى الجهة الوحيدة ذات الإطار السياسي المعترف به دولياً، تصر إسرائيل على استبعادها تماماً، ما يجعل فكرة “السلطة الانتقالية” فكرة بلا حامل واقعي. ويعني غياب جهة فلسطينية قابلة للتوافق الدولي والمحلي أن أي فراغ سياسي ستملؤه حماس تلقائياً، كما حدث في الأسابيع الماضية، أو ستملؤه مجموعات محلية منفصلة، ما يعيد إنتاج الفوضى بدل بناء نظام حكم مستقر.
وتنعكس هذه المعضلات بوضوح في قضية مقاتلي حماس المحاصرين في أنفاق رفح، الذين يقدر عددهم بنحو مئتي مقاتل، والذين باتت قضيتهم نقطة اشتعال تهدد الهدنة. وتطالب حماس بممر آمن لنقلهم إلى المناطق غير الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، فيما ترفض إسرائيل ذلك، وتعتبر أن منح هذا الممر يُعد مكافأة للحركة.
ويحمل هذا الخلاف، رغم محدوديته الظاهرية، إمكانية تفجير الوضع العسكري، لأن أي مواجهة في رفح قد تُستخدم ذريعة لإسقاط كامل الاتفاق أو لإبطاء تنفيذ المرحلة الثانية. وفي ظل هذا الوضع، يُظهر التقييم الأميركي أن إسرائيل ما تزال تسيطر على 53 في المئة من غزة حتى 20 أكتوبر، بينما يعيش 95 في المئة من السكان في الـ47 في المئة المتبقية.
ويجعل هذا التوزيع غير المتوازن من الصعب الحديث عن سلطة انتقالية أو قوة دولية تعمل بحرية، لأنه يعني أن إسرائيل، عملياً، تحتفظ بنصف القطاع تقريباً، وأن حماس تعزّز نفوذها في النصف الآخر.
ويفتح هذا الواقع الباب أمام سيناريو خطير: تقسيم غزة بحكم الأمر الواقع، حيث تتحول الحدود الحالية إلى خطوط نفوذ دائمة، وهو السيناريو الذي حذّر مسؤولون أوروبيون من أنه سيجعل إعادة الإعمار ممكنة فقط في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بينما تبقى المناطق التي تديرها حماس محاصرة سياسياً واقتصادياً.
وقد عبّر الصفدي عن هذه المخاوف حين قال إن السماح بتفتيت غزة سيقود إلى سنوات من الانفصال وتكريس واقع لا يمكن إصلاحه. ورغم هذه التعقيدات، تواصل إدارة ترامب إظهار ثقة علنية في مستقبل الاتفاق، مؤكدة أنها ملتزمة بلعب دور كبير في ترتيبات الأمن والإعمار في المنطقة. وصرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنه “غير قلق”، لكنه أقر في الوقت ذاته بأن العقبات الموجودة ليست بسيطة، وأنه لو كان حلها سهلاً لكان قد تحقق قبل ثلاثة عقود.
ويكشف هذا التصريح التباين بين اللغة الدبلوماسية التي تريد طمأنة الحلفاء، والتقييمات الداخلية التي تعترف بأن الاتفاق يواجه تحديات هيكلية، وأن المرحلة الثانية تعتمد على قدر كبير من التفاؤل، لكنه تفاؤل غير مدعوم حتى الآن بوقائع ميدانية أو التزامات دولية ملموسة. ويظهر تحليل المشهد كاملاً أن غياب الجداول الزمنية وآليات التنفيذ ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو مكمن الأزمة الأساسية. ويسمح الاتفاق بلا إطار زمني بإعادة إنتاج المماطلة السياسية؛ وبلا آليات رقابية يصبح كل طرف حكماً على نفسه؛ وبلا ضمانات دولية يصبح قابلاً للانهيار عند أول اختبار.
وفي الوقت نفسه، فإن العقبات الهيكلية، سواء في نزع سلاح حماس أو تشكيل سلطة انتقالية أو نشر قوة متعددة الجنسيات، تجعل تنفيذ الاتفاق على الأرض مهمة شديدة التعقيد، لأنه يطلب من الأطراف التخلي عن أدوات قوتها قبل أن تحصل على بديل واضح أو ضمانات أمنية كافية. ويجعل كل ذلك المرحلة الثانية اتفاقاً معلّقاً بين الرغبة السياسية والواقع الميداني، بين الطموح الدولي والحسابات الضيقة للأطراف المحلية، وبين من يسعى إلى إنهاء الصراع ومن يخشى خسارة مكاسب تراكمت على مدى سنوات.
ويعتمد مستقبل الاتفاق، كما يبدو الآن، على قدرة واشنطن على سد الفجوات البنيوية التي تملأ المرحلة الثانية: وضع جدول زمني مُلزِم، تحديد جهة واضحة للإشراف على الحكم، توفير التزامات دولية حقيقية للقوة متعددة الجنسيات، والضغط على إسرائيل وحماس للقبول بتنازلات لا تبدو سهلة لأي منهما. لكن في غياب هذه الخطوات، ستبقى المرحلة الثانية إطاراً نظرياً، وتبقى غزة ساحةً مفتوحة على احتمالات التوتر، وقد يتحول وقف إطلاق النار من محطة على طريق الحل إلى هدنة طويلة، ثم قصيرة، ثم هشة، قبل أن تعود المواجهة مجدداً
المصدر : العرب اللندنية
