تمرّ سوريا اليوم بمرحلة هشّة لا تحتمل أي ضغوط، وخاصة بعد سقوط نظام الأسد ووصول حكومة جديدة إلى سدّة الحكم في العاصمة دمشق؛ حكومة جاءت بعد حرب دامت أكثر من 13 عامًا مع نظام الأسد، ألحقت أضرارًا بالغة بالبنية التحتية، واستنزفت ما تبقّى من موارد البلاد.
ورغم كل مظاهر الإصلاح السياسي التي حاولت الحكومة الانتقالية إظهارها منذ سقوط النظام حتى الآن، إلا أن سياساتها أدّت إلى انقسامات داخلية عميقة تهدّد بهدم ما تبقّى من الدولة، وتحوّل “سوريا الجديدة” وفق تعبيرهم إلى بلاد مقسّمة يصعب إعادتها إلى ما كانت عليه.
في السياق ذاته، كتب الكاتب الأمريكي اللبناني جيمس زغبي، رئيس المعهد العربي الأمريكي، مقالًا نُشر على موقع “ذا ناشيونال” بعنوان: هل ستبقى الوحدة الوطنية في سوريا مجرد حلم بعيد المنال؟ تناول فيه عدة محاور، أهمها أن سوريا منذ بداية العصر الحديث كانت ضحية لمؤامرات الدول الخارجية وصراعات الداخل التي لا يمكن حلّ أي منها بسهولة.
تاريخ الصراعات في سوريا
فمنذ الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920، إلى تقاسم النفوذ البريطاني لإرضاء الغايات الاستعمارية، وصولًا إلى حكم عائلة الأسد، عانت سوريا ويلات الحرب. حتى عام 2011، أصبحت البلاد ساحة يتقاطع فيها طموح عائلة الأسد الديكتاتوري مع الانقسام الأهلي الرافض لسياسة القمع التي مارسها النظام بحقهم.
وأشار زغبي إلى أن الخراب الذي ألحقه الأسد بسوريا لن يزول، حيث تتراوح تقديرات عدد قتلى الحرب بين 560 ألفًا و680 ألفًا، ودُمّر جزء كبير من البنية التحتية السورية، ونُفي أكثر من نصف سكانها أو نزحوا داخليًا.
وخلال سنوات الحرب، لم يكن الصراع خالصًا، بل اختلطت فيه خيوط إسرائيل وتركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة، إلى جانب ميليشيات لبنانية وفلسطينية وتنظيمات متطرفة. كل هذه الأطراف كانت داخل سوريا، كما لو كانت حربًا بلا قاعدة، كما وصفها جيمس زغبي.
حكم جديد وأخطاء لا تقلّ عن سابقها
وبعد 13 عامًا من الصراع، زحفت جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة إلى الحكم وأطاحت بنظام الأسد، وهي الجماعات التي كانت قد سيطرت سابقًا على محافظة إدلب في شمال سوريا لسنوات عديدة. حيث قال زغبي في مقاله: “في وقت مبكر، ارتكب حكّام دمشق الجدد أخطاء متوقعة، والتي، إن لم تكن أكثر من ذلك، جعلت مهمتهم أكثر صعوبة”.
احتفل كثير من السوريين حول العالم وفي الداخل بسقوط النظام، لكن الواقع كان مغايرًا. فبمجرد تنصيب أنفسهم في العاصمة، ارتدت الجماعة التي كانت تُعتبر منظمة إرهابية بزّات رسمية وربطات عنق، وخفّفت من حدّة خطابها لتُظهر قدرتها على إدارة “سوريا الجديدة” بمسؤولية. لكن المهام التي تواجهها قد تكون شاقة؛ فقد يسيطرون على دمشق، لكن بقية البلاد خارجة عن سيطرتهم.
ورغم خطاب “الإصلاح” الذي تروّجه الحكومة السورية الانتقالية، تؤكد تقارير “ذا ناشيونال” أن السلطة في دمشق لا تملك سيطرة كاملة على الفصائل التي قاتلت إلى جانبها خلال الحرب مع النظام السابق، إذ يعمل بعضها بشكل شبه مستقل في الريف والضواحي، ما يهدّد بعودة الفوضى في أي لحظة.
وأشار الكاتب إلى أن حكّام دمشق الجدد ارتكبوا في بداية حكمهم أخطاء متوقعة، بل زادت هذه الأخطاء من تعقيد مهمتهم. فبدلًا من العمل على تهدئة موظفي الخدمة المدنية والجيش والشرطة الذين عملوا في ظل نظام الأسد، قاموا بطرد عشرات الآلاف منهم، مما أدّى إلى تفاقم حالة انعدام الأمن وصعوبة إدارة الحكم، بالإضافة إلى خلق موجة كبيرة من البطالة.
واختتم الكاتب بأن الحكومة الانتقالية، رغم نجاحها في الإطاحة بالنظام القديم وحكمها محافظة إدلب، لا تزال تواجه تساؤلات جوهرية حول قدرتها على بناء وحدة وطنية وإدارة الحكم في البلاد، الذي يتسم بتعقيد وتنوّع كبيرين.
