رغم سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وصعود أحمد الشرع إلى سدة الحكم، إلا أن مؤشرات عدة تكشف أن الاستبداد استُبدل بوجه جديد في المشهد السوري.
تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز يوم الأحد 7 أيلول/سبتمبر، بعنوان: “بينما تحاول سوريا الابتعاد عن الدكتاتورية، لا تزال علامات الاستبداد قائمة”، رصد التقرير استمرار تركز السلطة بيد الرئيس الانتقالي ودائرته الضيقة، مع بروز ممارسات توحي بإعادة إنتاج إرث الحكم الشمولي، وهو نظام سياسي يرتكز على وجود حكم الحزب الواحد الذي لا يقبل وجود معارضة سياسية في البلاد، وتكون فيه للدولة سلطة كاملة، وإن كان بواجهة مختلفة.
تغيير حقيقي أم إصلاحات شكلية؟
الحكومة الانتقالية أعلنت خططًا لهيكلة أجهزة الأمن والسجون، لكن خطواتها بقيت محصورة في الجانب الشكلي. وزارة الداخلية تحدثت عن نهاية زمن طغيان الأجهزة الأمنية، غير أن السلطة بقيت مركزة بيد الشرع، في مشهد يذكّر السوريين بمركزية الأسد، وفقًا للصحيفة.
بين استبعاد واستبداد… النتيجة الشعب
الانتخابات البرلمانية هذا الشهر أُريد لها أن تكون مؤشرًا على الانتقال الديمقراطي، لكنها قوبلت بموجة انتقادات واسعة بعدما حُصر ثلث مقاعد المجلس بقرار مباشر من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، واستُبعدت ثلاث محافظات خارج سيطرة حكومة دمشق، فيما اعتبرت مكونات أن هذه الخطوة تُعد إعادة إنتاج لسياسات الإقصاء القديمة في عهد بشار الأسد. كذلك اعتبرها معارضون واجهة لسلطة لم تتحرر من إرثها الاستبدادي.
العنف الطائفي في سوريا
ثلاث موجات من العنف الطائفي خلال الأشهر الماضية، وخصوصًا في السويداء، كشفت هشاشة المرحلة الانتقالية، بينما أكدت منظمات حقوقية تورط الحكومة الانتقالية وقوات موالية لها في عمليات قتل خارج القانون، ما عمّق أزمة الثقة بين المكونات الدينية والعرقية وبين الحكومة الانتقالية. فيما حذّرت المعارضة السابقة، المحامية ديمة موسى، من أن غياب الانفتاح السياسي واستمرار الشمولية يعيد إنتاج الصراع.
بنفس وجوه هيئة تحرير الشام
أشار التقرير إلى أن الوزارات السيادية مثل الدفاع والداخلية والخارجية لا تزال تحت نفوذ مباشر لقيادات مرتبطة بـ”هيئة تحرير الشام”/”جبهة النصرة” سابقًا، مبينًا أن وزارة الداخلية برئاسة أنس خطاب، القادم من الجهات الأمنية للهيئة، يقود إعادة تشكيل الشرطة، فيما يتجاوز دور وزير الخارجية أسعد الشيباني في الحكومة الانتقالية حدود الدبلوماسية ليصبح بمثابة رئيس وزراء فعلي.
وقالت لارا نيلسون، مديرة السياسات في منظمة “إيتانا سوريا” البحثية: “ما رأيناه لا يتعدى إشراكًا رمزيًا لبعض الوزراء الشكليين الذين لم يُمنحوا أي سلطة، فيما لا تزال هيئة تحرير الشام تسيطر على مفاصل القوة الرئيسية في الحكومة”.
المبعوث الأممي غير بيدرسون، في كلمة له أمام مجلس الأمن، حذّر من أن المرحلة الانتقالية تقف على حافة الخطر إذا لم تُنفذ إصلاحات جديدة. وحسب خبراء دوليين، فإن إشراك بعض الوزراء الشكليين من الأقليات أو الشتات السوري لا يغيّر حقيقة استمرار احتكار القرار.
هذه السيطرة توحي بأن التحول السياسي الموعود قد يكون مجرد تبديل في الوجوه، لا في بنية وجوهر السلطة.
ويبدو أن التحدي الأكبر أمام الشرع هو بناء مؤسسات شاملة وتتسم بالشفافية، وإلا فإن سوريا مهددة بفقدان دعمها الدولي وبالانزلاق مجددًا إلى دوامة من الصراع الأهلي.
