في وقتٍ لا تزال فيه آمال السوريين معلّقةً بإمكانية الوصول إلى حلّ سياسي شامل، ينهي مأساةً مستمرة منذ أكثر من أربعة عشر عاما، تستمر المفاوضات بين الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، والحكومة السورية الانتقالية.
هذه المفاوضات كان يُفترض بها أن تشكل نقطةَ تحوّلٍ تاريخية على صعيد بناء دولةٍ ديمقراطية لا مركزية، لكن الواقع بات يشي بعكس ذلك تماماً.
الموضوع الأكثر حساسية على طاولة الحوار هو اللامركزية والاندماج الديمقراطي، وهو جوهر اتفاق 10 آذار، الذي نص صراحة على أن سوريا الجديدة، لا يمكن أن تُبنى بمنطق الهيمنة أو العقلية المركزية القديمة، بل لا بد من الاعتراف بالتنوّع القومي والديني والثقافي، وإفساح المجال أمام المجتمعات المحلية، لتكونَ شريكاً حقيقياً في صنع القرار.
لكن، ومع كل جولة تفاوض، تتضح ملامح العرقلة المنهجية التي تمارسها الحكومة السورية الانتقالية… هذه الحكومة التي يُفترض أن تكون واجهة للتغيير، باتت تتصرف وكأنها نسخة مكررة من النظام الذي ثار السوريون ضده…. تتشبث بالسلطة، ترفض التعددية، وتضع خطوطاً حمراء أمام أي نقاش جدي حول الإدارة الذاتية، أو الاعتراف بحقوق المكونات الكردية والعربية والسريانية وغيرها.
اتفاق 10 آذار، الذي مثل بارقة أملٍ لدى قطاعاتٍ واسعة من السوريين، ما زال مجرد ورقةٍ على طاولة النقاش، والسبب غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى الحكومة الانتقالية، فبدلاً من الانخراط في مشروع وطني شامل، تكتفي هذه الحكومة بالمراوغة والتسويف وفق مراقبين، الأمر الذي يعمّق الشكوك حول مدى استقلال قرارها الوطني، أو جديتها في الوصول إلى أي صيغة ديمقراطية جامعة.
في المقابل، تشدد الإدارة الذاتية على ثبات موقفها، وتطرح مشروعاً واضحاً يقوم على الاندماج الديمقراطي واللامركزية التشاركية، كحل منطقي يضمن وحدة البلاد واستقرارها. الإدارة الذاتية تؤكد أن المركزية القسرية تعني العودة إلى المربع الأول، بينما اللامركزية تعني فتح أبواب المستقبل أمام جميع السوريين.
لكن الحكومة السورية الانتقالية تواصل الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها، تعطيل، وتسويف، وإنكار للواقع الجديد على الأرض… واقع يقول إن نصف سوريا تقريباً يعيش اليوم في ظل تجارب إدارة محلية، لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها.
في المحصلة، يؤكد مراقبون أن الصورة تبدو واضحة، فالمعضلة ليست في الأفكار ولا في المشاريع، بل في العقلية، فبينما تدعو الإدارة الذاتية إلى شراكة حقيقية وديمقراطية، تتمسك الحكومة الانتقالية بذهنية الإقصاء والتفرد بالقرار، وهو ما يضع المفاوضات أمام اختبار مصيري… إما أن تتحرر من قيود التعطيل، أو تبقى رهينة الجمود، وهذا يعني فيما يعنيه أن يدفع الشعب السوري ثمن الوقت الضائع.
