منذ اللحظة التي استحوذت فيها هيئة تحرير الشام على السلطة بعد سقوط النظام السابق، تلاشى الأمل ببزوغ عهد جديد، ليتحوّل إلى واقع قاتم تملؤه الانتهاكات والفوضى الأمنية التي عصفت بجميع السوريين، وعلى نحو خاص بالعلويين والدروز وغيرها من مكونات الشعب السوري التي وجدت نفسها مجددًا في مواجهة الاستهداف والتمييز. وبدلًا من أن تكون المرحلة الانتقالية مدخلًا للعدالة والمصالحة الوطنية، دخلت البلاد في نفق يهيمن عليه القمع والاعتقال التعسفي والقتل الممنهج.
هذا الانزلاق تجسّد بوضوح في الجنوب السوري، ولا سيما في السويداء، حيث وثّقت منظمات حقوقية ودولية مجازر مروعة ارتكبتها قوات تابعة للحكومة الانتقالية. أكثر من 1500 مدني من الطائفة الدرزية، بينهم نساء وأطفال، قُتلوا في هجمات منهجية، وأظهرت مقاطع من المستشفى الوطني مسلحين يرتدون زي الأجهزة الأمنية وهم يطلقون النار على أحد الكوادر الطبية. وبالتوازي مع هذه الجرائم، سُجّل اختفاء أكثر من 560 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، وثّقت الأمم المتحدة منهم 105 حالات اختطاف لنساء درزيات ما زال مصير العشرات منهن مجهولًا، بينما تحدثت تقارير عن تعرض بعضهن للاعتداء الجنسي قبل القتل. هذا الاستهداف لم يقتصر على الأرواح، بل طال الرموز الدينية والمنازل والكنائس والممتلكات، لتتحوّل السويداء إلى بركة دم في ما سُمّي بسوريا الجديدة.
وما جرى في السويداء لم يكن حدثًا معزولًا، بل امتدادًا لنهج اتُّبع بوضوح في الساحل السوري، حيث تعرّضت الطائفة العلوية لانتهاكات موثقة من الأمم المتحدة ووكالات دولية. إذ قُتل ما لا يقل عن 1550 مدنيًا في حملات اقتحام واعتقالات جماعية تخللتها عمليات قتل خارج القانون وتعذيب وخطف ونهب.
تحقيق استقصائي لوكالة “رويترز” كشف أن نحو 1600 مدني من الطائفة العلوية تمت تصفيتهم على يد وحدات وفصائل مرتبطة مباشرة بقيادة الحكومة الانتقالية، وهو ما يعكس أن الانتهاكات لم تتوقف بسقوط الأسد، بل أُعيد إنتاجها تحت مسميات جديدة.
ومع اتساع رقعة هذه الانتهاكات، برزت عمليات الإعدام الميداني كأحد أخطر مظاهر العنف، إذ نفّذت القوات الأمنية في أبريل/نيسان 2025 إعدامات بحق مدنيين دروز، أسفرت عن مقتل عشرة أشخاص في غضون أيام قليلة.
هذا التصعيد عزّز القلق داخل الأوساط المجتمعية، ودفع ممثلي الدروز والعلويين والمسيحيين إلى محاولة عقد مؤتمرات للحوار الوطني والمطالبة بضمانات دستورية وطرح فكرة نظام لا مركزي يحقق التوازن، إلا أن هذه المبادرات جوبهت بتجاهل من جانب الحكومة الانتقالية، ما رسّخ شعور تلك المكونات بأنها مستهدفة ومُقصاة على السواء.
وتزامنًا مع الانتهاكات الطائفية، تفجّرت فوضى أمنية غير مسبوقة في مناطق سيطرة الحكومة الانتقالية. تكررت حوادث التفجيرات وانفجار الذخائر المهملة في مدن مثل حلب وجبلة ودمشق، وأودت بحياة مدنيين كُثر. ونتيجة لهذا الانفلات الأمني، تصاعدت أيضًا عمليات الخطف والاغتيال، حيث رصدت “المجموعة المدنية من أجل السلام” في حمص وحدها أكثر من أربع وستين حالة خطف وتسعة وسبعين عملية اغتيال خلال ثلاثة أشهر، الكثير منها اتخذ طابعًا طائفيًا موجّهًا ضد مكونات محددة، وهو ما فاقم الانقسام وأذكى التوتر المجتمعي.
أما على صعيد الاعتقالات التعسفية، فقد تحوّلت إلى ممارسة يومية تُستخدم كأداة لتثبيت السلطة. وثّقت منظمات حقوقية عشرات الحالات شهريًا شملت أطفالًا ونساءً في حماة وحلب ودمشق والسويداء. بعض هذه الاعتقالات جاء بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وأخرى استُخدمت كوسيلة للضغط على أهالي المطلوبين، بينما سُجّلت حالات عشوائية خلال التنقل بين المناطق. ورغم صدور قانون جديد ضد التعذيب في أبريل/نيسان 2025، أظهرت تقارير حقوقية استمرار التعذيب داخل السجون ومراكز التوقيف، حيث يتعرّض المعتقلون للضرب والإهانة والتحقيق الوحشي، ما يؤكد أن القوانين مجرد واجهة شكلية لا تعكس تغييرًا حقيقيًا.
إن هذا التسلسل من الوقائع – من المجازر الممتدة من الساحل إلى السويداء، ومن الإعدامات الميدانية إلى الفوضى الأمنية والاعتقالات اليومية – يرسم صورة متكاملة تؤكد أن سوريا ما بعد الأسد لم تدخل مرحلة انتقال ديمقراطي، بل أعادت إنتاج آليات القمع والتمييز تحت عناوين جديدة. المكونات التي علّقت آمالها على العدالة والإنصاف وجدت نفسها في موقع الضحية مجددًا، فيما تحوّلت الفوضى الأمنية إلى أداة لتكريس سلطة الحكومة الانتقالية. وفي ظل غياب المساءلة والافتقار إلى أي خطوات فعلية لتحقيق العدالة الانتقالية، يبقى السوريون محاصرين بين وعود إصلاح لا تتحقق وواقع دموي يهدد وحدة البلاد ومستقبلها على نحو متسارع.
