شهر آذار مارس هذا العام في الساحل السوري، لم يكن محمّلاً برائحة الربيع، بل جاء مخضباً بدماء المدنيين، الذين قُتلوا فقط لأنهم علويون، ما دفع بالكثير من سكانه إما للاحتماء بالقاعدة الروسية الموجودة هناك، أو بالجبال أو الفرار إلى لبنان، وسط صمتٍ عربي وعدم وجود موقفٍ دولي حازم، إزاء ما جرى من مذابح.

وأمام هول الفاجعة وعظمة الحدث وتأكيداً على وحدة مصير السوريين، بادرت الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، بتجهيز قافلة مساعداتٍ إنسانية، تضم سلاتٍ غذائيةً مُعدةً لـ 10 آلاف أسرةٍ متضررة في الساحل السوري، في موقفٍ أبرزَ التضامن الشعبي لسكان الإقليم مع إخوتهم في الساحل السوري.
وقبل دخول القافلة مناطقَ سيطرة الإدارة السورية المؤقتة، اشترطت الأخيرةُ إزالة كافة شعارات الهلال الأحمر الكردي، الذي أشرف على الحملة الإنسانية، وذلك مقابل السماح للقافلة بالمرور إلى الساحل.
تصرّف الإدارة السورية المؤقتة هذا، فسره مراقبون على أنه يأتي ضمن سياستها في إنكار الآخر المختلف عنها، فبعد سلسلة الإقصاءات من اللجان المكلفة بمؤتمر الحوار الوطني، وكذلك صياغة الإعلان الدستوري، لم يكن مستغرباً أن تتصرف بعقليةٍ إقصائية تحكمها الحسابات السياسية، في تصرف سلّط الضوء على مدى استخفاف الإدارة المؤقتة بمعاناة المنكوبين وآلامهم، لتحذو بذلك حذو النظام السابق، بعدم الاعتراف بالواقع، والسقوط في مستنقع الإنكار والتهميش.
محللون ذهبوا إلى أن الإدارة السورية المؤقتة، متخوفةٌ من نمو دعمٍ شعبي للإدارة الذاتية في منطقة الساحل، لذلك تصرفت على هذه الشاكلة، وأقلُّ ما يمكن أن يُقال في وصف ما حدث، بأنه محاولةٌ متعمدة لطمس دور الإدارة الذاتية والتشويش على جهودها الإنسانية… هذه الإدارة التي لطالما أثبتت حضورها الفاعل في دعم المجتمعات المنكوبة دون تمييز.
كما أن هذا التصرف من الإدارة السورية المؤقتة، يكشف عن تناقضٍ صارخ، فمن جهة تدّعي تمثيل الشعب والحرص على توفير الخدمات له، ومن جهةٍ أخرى تمارس نفس أساليب التهميش والإقصاء، التي لطالما كانت تشتكي منها هي نفسها، قبل أن تصل للسلطة.
في المقابل، لاقى نهج الإدارة الذاتية في دعم المناطق المنكوبة، بغضِّ النظر عن الانتماءات السياسية والعرقية، إشادةً كبيرةً من سكان الساحل السوري، الذين أكدوا أن بعض الأطراف انشغلوا بالتلاعب بالرموز والشعارات، فيما مضت الإدارة الذاتية في تركيزها على عملها الإنساني، لتثبت أن الحل الحقيقي لمشاكل السوريين، لا يكون عبر إقصاء الآخرين، بل عبر التعاون والتكاتف في مواجهة الأزمات.
وبعد ما حدث، يتساءَلُ السوريون، ما غايةُ الإدارة السورية المؤقتة من تسييس ملف المساعدات ومحاولة إخراجها من إطارها الإنساني؟ وهل يُعقل أن تكون الشعارات أهم من الغذاء والدواء؟ وهل يمكن لعقلية الإلغاء أن تبني وطناً ديمقراطياً تعددياً؟
