لم تكن سوريا، بتنوعها القومي والديني والمذهبي والثقافي، يوماً مجتمعاً أحادي الهوية، بل تشكلت عبر تاريخها من فسيفساء اجتماعية ضمت العرب والكرد والسريان والأرمن، إلى جانب العلويين والدروز ومكونات أخرى أسهمت في بناء الحياة الاجتماعية والثقافية في البلاد.
غير أن هذا التنوع، الذي كان من الممكن أن يشكل أساساً للقوة والتكامل تحول خلال سنوات الصراع إلى إحدى أكثر القضايا حساسية، مع تصاعد محاولات استغلال الانتماءات القومية والدينية والمذهبية وتحويلها إلى خطوط فاصلة بين أبناء المجتمع الواحد، في مشهد لا تقتصر تداعياته على الخطاب المتداول، بل تمتد إلى السلم الأهلي ومستقبل التعايش في البلاد.
ومع التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا منذ عام 2011، وصولاً إلى سقوط النظام السابق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 دخلت البلاد مرحلة جديدة تتداخل فيها تحديات بناء الدولة مع مخاوف الإقصاء والانتقام وانعدام الثقة، وسط أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، وتدخلات إقليمية ودولية تزيد المشهد تعقيداً.
وفي ظل هذه التحولات، تتصاعد حملات التحريض المكوناتي والطائفي، لتطرح تساؤلات حول الجهات التي تقف خلفها والأسباب التي تجعل بعض السياسات والخطابات بمنأى عن النقد والمساءلة رغم ما تتركه من آثار على المجتمع، وحول الدور الذي تؤديه أطراف سياسية وإعلامية في إعادة إنتاج الانقسامات أو توظيفها بما يخدم مصالحها.
ولا يقتصر الأمر على تداول خطاب الكراهية بل يمتد إلى التساؤل عن كيفية تشكّل هذا الخطاب والجهات التي تمنحه مساحة للانتشار ومدى ارتباطه بالسياسات المتبعة، في ظل غياب نقد جدي لبعض الممارسات التي تعمق الأزمات المجتمعية أو تساهم في تكريس الانقسام بدلاً من معالجته.
وفي السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أطلقت الأكاديمية السورية للإعلام، بالشراكة مع وزارة الإعلام وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حملة إعلامية تحت عنوان “الكلمة تبني”، تهدف إلى التوعية بمخاطر خطاب الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة، وتعزيز الممارسات المسؤولة في تداول المحتوى ونشره.
حملة تبدو في ظاهرها، خطوة ضرورية في مرحلة انتقالية بالغة الحساسية غير أن إطلاقها يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع: هل تكفي الحملات التوعوية لمواجهة خطاب تحريضي تتجاوز جذوره منصات التواصل الاجتماعي؟ وأين يقف النقد من السياسات والخطابات التي قد تسهم في تغذية هذا الخطاب؟ في ظل استمرار الأزمات المجتمعية وتراجع الثقة بين المكونات؟
