إيران بعد تاريخ السادس عشر من أيلول سبتمبر من عام 2022 لم تعد هي هي قبل هذا التاريخ..
في ذلك اليوم أطلق الشعب الإيراني صرخته وواجه آلة قمع السلطات بصدر عارٍ لشهور؛ وأشعلت النساء فتيل ثورة “المرأة الحياة الحرية” في البلاد.
شعارات اتحدت أهدافها وتلونت لغاتها من مختلف أطياف الشعب الإيراني الذي تكاتف سلمياً دون سلاح من أجل الوقوف في وجه سياسات السلطات الإيرانية بعد عقود من القمع وسلب الرأي والتضييق على الحريات.
ثورة تضامن معها كثير من شعوب العالم فانتشرت مظاهر الاحتجاج والاستنكار في مختلف الدول إلا أن أنظمتها لم تأخذ موقفاً حاسماً لدعم الشعب الإيراني والمرأة الإيرانية على وجه الخصوص.
ورغم الممارسات الوحشية للسلطات الإيرانية بحق المحتجين وعائلاتهم والإعلاميين والوسائل الإعلامية التي غطت الانتفاضة ونقلتها، تمسك الشعب الإيراني بالتعبير عن رأيه بأعلى صوت متحدياً كل الاحتمالات.
تحدٍّ واجهته السلطات الإيرانية بعمليات قتل خارج إطار القانون وعمليات اعتقال تعسفية واحتجاز جماعي وتعذيب وتنفيذ أحكام إعدام وغيرها من ضروب المعاملة السيئة المستمرة حتى اللحظة.
وراء أسباب إطلاق هذه الصرخة، شابة كردية لم تكن تتجاوز حينذاك اثنين وعشرين عاماً هي “جينا أميني” المنحدرة من مدينة سقز التابعة لمحافظة كردستان، والتي أوقفتها بتاريخ الثالث عشر من أيلول سبتمبر 2022 ما تسمى شرطة الأخلاق في إيران بذريعة أنها لم تتقيد بقوانين الحجاب الإلزامي بينما كانت رفقة شقيقها في محطة مترو بالعاصمة طهران.
اُقتيدت جينا إلى مركز اعتقال في وزرا بطهران في حين قيل لشقيقها إنه يجري نقلُها إلى وزرا لحضور “درس توجيهي” حسب توصيف الجهات التي اعتقلتها، لتلتزم بقواعد اللباس الإجباري في البلاد، وعندما احتجّ شقيقها اعتدت عليه ما تُسمَّى شرطة الأخلاق بالضرب.
بعد ساعات قليلة من الاعتقال أكد شهود عيان أن جينا تعرضت للضرب المبرح في سيارة الاعتقال، ما أدى إلى عدم مكوثها طويلاً في حجرة الاستجواب لفقدانها الوعي ونقلها إثر ذلك إلى مستشفى كسرى في طهران.
لم يكن الأمر مجرد فقدان للوعي فجينا التي تعرضت للأذية في رأسها إثر الضرب دخلت غيبوبة لمدة ثلاثة أيام متتالية لم تخرج منها إلا متوفية في السادس عشر من سبتمبر/أيلول ألفين واثنين وعشرين.
خلال العقدين السابقين شهدت إيران موجاتٍ عديدةً من الاحتجاجات..
ففي 2009:
ـ اندلعت احتجاجات على خلفية فوز الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد بولاية رئاسية ثانية.
ـ فالنتيجة جاءت مخالفة للتوقعات، واتُهمت مؤسسات النظام بتزوير نتائج الاستحقاق.
ـ نشبت مواجهات بين الحرس الثوري والمواطنين من الشباب الطامح إلى توسيع هامش الحريات والحقوق.
ـ وتوسعت رقعة الاحتجاج إبان هذه الموجة في ثلاث محافظات حضرية.
في 2017:
ـ شهدت إيران احتجاجات في مناطق متفرقة على خلفية الأوضاع الاقتصادية الآخذة في التدهور.
ـ تضاعف زخمها مع الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على البلاد.
ـ شاركت فيها الفئات المتضررة اقتصادياً ورفعت شعارات مناهضة للمرشد الإيراني والنظام السياسي بأكمله.
وبعد 2017 استمرت مظاهر الاحتجاج المتفرقة حتى عام 2020 لأسباب عديدة أبرزها اقتصادية تعلقت بسوء الإدارة والفساد على غرار تلك المندلعة في المحافظات الحدودية، بسبب جفاف المياه وانهيار مبنى على عدد كبير من المواطنين، فضلاً عن حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية التي أخفقت الحكومة في التعامل معها.
في 2022 وحّدت جريمة مقتل الشابة الكردية جينا أميني على يد ما تسمى شرطة الأخلاق صيحات الشعب الإيراني وانطلقت موجة من الاحتجاجات لم تعهد إيران مثيلاتها منذ ما يسمى الثورة الإسلامية، جابت أصداءها العالم وشارك فيه الشعب من مختلف المكونات والفئات على نطاق واسع.
بعد مقتل جينا استمرت الاحتجاجات دون توقف لأشهر طويلة رغم التحديات التي تعرضت لها من قبل السلطات، وذهبت المطالب إلى أبعد بكثير من القصاص لجينا أميني نحو حرية المرأة والتخلص من نظام ما يعرف بشرطة الأخلاق إذ اتحدت الاحتجاجات تحت شعار “المرأة الحياة الحرية” الذي حمل دلالة ثورة المرأة في شمال وشرق سوريا.
لم تتخلَّ السلطات الإيرانية عن سلوكها القمعي في الرد على الاحتجاجات الشعبية المعارضة لممارساته وسياساته في إدارة شؤون البلاد والمكونات رغم زخمها الكبير، وبالتأكيد لاستجابة السياسات الدولية وردود فعلها الخجولة تجاه هذه الانتهاكات إسهامٌ في تجاوز السلطات بارتكاب الانتهاكات والممارسات اللا إنسانية والخروج عن القانون.
لم تتوانَ السلطات الإيرانية منذ اللحظة الأولى عن استخدام القوة غير القانونية، ومن ضمن ذلك إطلاق الكريات المعدنية والغاز المسيل للدموع واستخدام الذخيرة الحية في كثير من الأحيان في التعامل مع جموع المتظاهرين السلميين العزّل.
وقتل الأمن الإيراني بصورة غير قانونية مئات المحتجين – من ضمنهم أطفال – في حين أُصيب المئاتُ غيرهم بالعمى بسبب إطلاق الكريات المعدنية، وتكبّد آلاف آخرون جروحًا خطرة تجنب العديد منهم الحصول على الرعاية الطبية في المشافي خشية إلقاء القبض عليهم أو التعرّض لعمليات انتقامية أخرى.
هذا وعمدت السلطات الإيرانية إلى إلقاء القبض على عشرات الآلاف من الأشخاص تعسفياً، ونفذت عقوبة الإعدام كأداة رئيسية للقمع السياسي، وزرع الرعب في قلوب المحتجين خاصة وأن السلطات تعمدت إجراء محاكمات صورية لبعض من تلك الإعدامات.
خاضت السلطات الإيرانية حملة شرسة لقمع المحتجين فاتسعت رقعة أحكام الإعدام بشكل مجحف لتطال السياسيين ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي لإدانتهم القمع، فيما لا يزال حقوقيون وحقوقيات بارزون عالمياً يقفون خلف قضبان السجن بسبب مواقفهم وآرائهم الإنسانية حول الحريات وإبداء تضامنهم مع المحتجين.
