تراجع الليرة التركية أمام الدولار بشكل مستمر، لم يعد مستغرباً من قبل الأتراك، فالسقوط الحر لليرة بات مألوفاً، ومتوقعاً حتى وصل سعر الدولار الأمريكي الواحد إلى ما يقارب ست وعشرين ليرة بعيد الانتخابات التي جرت في أيار/ مايو الفائت، وأسفرت نتائجها عن ولاية جديدة لأردوغان.
الانهيار في الليرة التركية صاحبه ارتفاع كبير في الأسعار، وضعف كبير في القدرة الشرائية للأتراك، ورغم محاولات النظام التركي تدارك ذلك، بحزمة من قرارات زيادة الحد الأدنى للأجور، عدة مرات، لكن كل تلك القرارات ذهبت أدراج الرياح مع تهاوي قيمة الليرة، وتراجع تصنيف تركيا الائتماني من مستقرة إلى سلبية وفق وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني، معللة رؤيتها تلك بالمخاطر الناجمة عن انخفاض أسعار الفائدة في تركيا.
خفض أسعار الفائدة، هذا هو بيت القصيد في تدخلات رئيس النظام التركي بسياسة البنك المركزي التركي، إذ أصر أردوغان على عدم رفع سعر الفائدة، على عكس المعمول به في جميع أنحاء العالم، لمواجهة التضخم الذي وصل أوجه في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عندما بلغ 80 بالمئة، وهو ما أدخل الأتراك في دوامة من الخوف من المستقبل الذي يلفه الغموض.
بعد الانتخابات، توسم الأتراك خيراً بفريق أردوغان الاقتصادي الذي يقوده وزير المالية محمد شيمشك، وحفيظة أركان وهي أول امرأة تقود المصرف المركزي التركي، إلا أن حسابات الحقل لم توافق حسابات البيدر في الاقتصاد التركي رغم بدء البنك المركزي التركي برفع أسعار الفائدة، لكن يبدو أن ما أفسده الدهر لن يصلحه العطار.
وبعد كل المحاولات الفاشلة، ما كان على أردوغان إلا طرق أبواب الدول الخليجية، عسى يلقى لديها بعض الصفقات ينعش بها اقتصاده المنهار، فوصل إلى قطر حليفته في المنطقة، بالإضافة إلى كلٍ من السعودية والإمارات، وهاتين الدولتين كان بينها وبين تركيا ما صنع الحداد قبل سنوات خلت، قبل أن يتراجع أردوغان خطوات إلى الوراء في عدائه لها، مع الكوارث المتتالية التي حلت بالاقتصاد التركي بعيداً عن الدعم العربي.
وبين هذا وذاك، وبين نشوة الفوز في الانتخابات التي يتغنى بها أردوغان في كل مناسبة داخلية، تظهر البيانات الخاصة بمستوى الفقر في البلاد، والانهيارات المتلاحقة لقيمة الليرة أمام الدولار، إذ كسر الدولار حاجز الـ 27 ليرة بعد نهاية الزيارة الخليجية، لتعيد الأمور إلى نصابها، بعيداً عن لغة الشعارات التي يتقنها أردوغان.
معهد الإحصاء التركي وخلال بياناته الشهرية يستعرض تراجع قدرة الشراء للعائلات في تركيا، وتشير أرقامه أن دخل الفرد يقل تدريجياً في كل شهر عن سابقه، مقارنة بالأسعار التي تتصاعد بشكل جنوني، وهذا التصاعد يكون بأرقام كبيرة، على عكس الزيادات التي يقرها النظام على الحد الأدنى للأجور.
لغة الأرقام دائماً صادقة، فهي مجردة من العواطف، فارتفاع أسعار العقارات، وزيادة الأجور على المواصلات، وزيادة الضرائب التي جاء بها شيمشك بأوامر من أردوغان، لن ترمم سفينة الاقتصاد التركي المليئة بالثقوب، والتي تخوض صراعاً مع المجهول في بحر هائج، تتقاذفها الأمواج من كل جانب، فما هو مصيرها، وكيف سيكون مستقرها، وقبطانها أردوغان؟
