منطقة الشرق الأوسط بكل حروبها وخلافات دولها، وتداعيات ذلك على شعوبها، ما هي إلا حلقة أو نتيجة للمعاهدات التي وُقعّت برعاية الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وعلى رأسها اتفاقية لوزان التي أُبرمت عام 1923، وحددت هذه المعاهدة الكثير من التفاصيل التي ما زال تأثيرها مستمراً إلى يومنا هذا.
فما إن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها عام 1918، حتى بدأ المنتصرون بفرض معاهدات على المنهزمين، الذين كان في مقدمتهم الدولة العثمانية، التي كانت تعيش أيامها الأخيرة، لا سيما مع تآكل مساحتها الشاسعة يوماً بعد يوم، في ظل الثورات المندلعة في معظم المناطق البعيدة عن العاصمة إسطنبول.
وعلى وقع الهزيمة في الحرب، وقعت الدولة العثمانية معاهدة سيفر عام 1920، تخلت فيها عن الكثير من أراضيها لمصلحة المنتصرين في الحرب، وأكبر المستفيدين كانوا بريطانيا واليونان وفرنسا وإيطاليا، الذين تقاسموا الأراضي التي كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية قبل هذا التاريخ.
كما منحت المعاهدة وطناً للأرمن، مع حصول الكرد على الاستقلال بموجب البندين 62 و 63 من الفقرة الثالثة، والسماح لولاية الموصل بالانضمام إلى كردستان استناداً إلى البند 62.
كما أُرغم العثمانيون على القبول بالانتداب الفرنسي على سوريا والبريطاني على العراق، وكانت المعاهدة فعلياً المسمار الأخير في نعش الدولة العثمانية التي لقبت قبل سنوات من ذلك بـ “الرجل المريض”.
مجموعة من عناصر الجيش العثماني تمردوا على قرار سلطانهم وحيد الدين محمد السادس، وأعلنوا العصيان وعدم قبولهم بنود معاهدة سيفر، لتبدأ مجموعة من المعارك عرفت في تركيا بحرب الاستقلال، بقيادة مصطفي كمال، حارب خلالها اليونانيين وتمكن من إخراجهم من مناطق تواجدهم في إزمير والسواحل الغربية لتركيا.
تقدم مصطفى كمال ومن معه، دفع الحلفاء للتفاوض مع ممثلين عن البرلمان التركي حتى إقرار معاهدة لوزان، التي أبرمت في الرابع والعشرين من تموز/ يوليو عام 1923، استعادت فيها تركيا معظم الأراضي التي خسرتها بموجب معاهدة سيفر، فيما تنازلت عن أراضٍ أخرى.
المعاهدة الجديدة نسفت معاهدة سيفر، وجاءت مناقضة لمبادئ ويلسون الأربعة عشر، وخاصة في مسألة تقرير الشعوب الخاضعة لسلطة الدولة العثمانية لمصيرها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وهذه الشعوب الأصيلة كانت من أكبر الخاسرين من المعاهدة، التي أبرمت في سويسرا، وتجاهلت تمام التجاهل حقوق الشعب الكردي والأرمني والشعوب الأخرى المتواجدة في أرضها التاريخية، وإلحاق هذه الأراضي بخارطة تركيا الجديدة، التي تحولت إلى جمهورية في التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1923.
معاهدة لوزان كرست حدوداً غير طبيعية بين البلدان، هذ الحدود قسمت الشعوب بين عدة دول، وضاعت حقوقها إلى يوم الناس هذا، فالأرمن خسروا دولتهم المنشودة مع تشكل الاتحاد السوفيتي، قبل أن يستعيدوها مطلع التسعينات مع انهيار الاتحاد، إلا أن الدولة الوليدة عانت من حروب مع جارتها أذربيجان المدعومة من النظام التركي.
أما الكرد فتشرذم وطنهم التاريخي بين أربعة بلدان، هي تركيا وإيران والعراق وسوريا، واختلفت هذه الدول في كل شيء، وعلى كل شيء، لكن في مسألة ضرب أي مشروع كردي حقيقي، كانت تنحي خلافاتها جانباً، وتوحد جهودها في سبيل ذلك.
وهكذا تغيرت خارطة الشرق الأوسط من جديد بعد تغييرات طالتها جراء اتفاقية سايكس بيكو، ومعاهدة سيفر التي باتت حبراً على ورق، وبلا أي قيمة فعلية مع دخول معاهدة لوزان حيز التنفيذ.
اليوم تمر الذكرى المائة على توقيع المعاهدة، وتغيرت الكثير من أنظمة الحكم، إلا أن الثابت الوحيد منذ ذلك العهد بقي الحدود، تغير كذلك شكل الدول، فتركيا انتقلت من نظام الحكم الرئاسي إلى البرلماني لتعود من جديد إلى نظام الحكم الرئاسي بعد أن عُدل الدستور من قبل رئيس النظام التركي رجب أردوغان.
وإيران رحل عنها الشاه، ليتولى زمام الأمور هناك الملالي، الذين أحكموا قبضتهم على البلاد، وأدخلوها في حروب وصراعات مع دول الجوار، والمجتمع الدولي.
إما سوريا، فبعد استقلالها عن فرنسا منتصف أربعينيات القرن الماضي، دخلت دوامة من الانقلابات العسكرية، إلى أن دانت السلطة لحزب البعث عام 1963، ومنذ ذلك التاريخ تعيش البلاد واقعاً مريراً في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، إلى أن ترجم ذلك على أرض الواقع بحرب أهلية انطلقت شرارتها عام 2011، وما زالت رحاها دائرة إلى الآن.
وفي العراق، لم يختلف الأمر كثيراً عن سوريا، فبعد خروج بريطانيا منه، وتفرد حزب البعث بالسلطة، عاشت بلاد الرافدين الأمرين مع تولي صدام حسين مقاليد الحكم هناك، فحارب إيران ثماني سنوات، وقاد حملات إبادة بحق الكرد عرفت بالأنفال، ثم احتل الكويت، وهو ما استدعى تدخلاً دولياً لإخراجه منها عام 1991، قبل أن يسقط عن الحكم، مع دخول القوات الأمريكية للعراق عام 2003.
الكرد وغيرهم من الشعوب المتضررة، رفضوا المعاهدة، وبدأوا بتنظيم فعاليات وندوات خارج أرضهم التاريخية، دعوا من خلالها لاستعادة حقوقهم، التي سلبت منهم من قبل دول غلبت مصالحها على مبادئ حقوق الإنسان، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو أحد المبادئ الأساسية في الأمم المتحدة.
ويبقى الحل أمام الكرد لتدارك نتائج معاهدة لوزان هو توحيد الصفوف واستغلال الفرص في ملعب السياسة، التي تتاح نتيجة التقلبات في المواقف، وتغير المصالح بين الدول.
فبزوغ الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا عام 2014، وتجربتها الرائدة في إدارة شؤون المنطقة، ومشروعها القائم على مشاركة كافة شعوب المنطقة في دوائر المسؤولية، وسن قوانين تحافظ على هوية الشعوب الثقافية، واحترام حقوق المرأة، إلى جانب نضال قوات سوريا الديمقراطية ضد تنظيم داعش الإرهابي، يزيد من أسهم أحقية الاعتراف السياسي بها، على الرغم من محاربتها من قبل النظام التركي والحكومة السورية.
وعليهم كذلك مناشدة الهيئات والمنظمات الدولية للتمهيد للحصول على حق تقرير المصير وفق القوانين الدولية، لتصحيح الأخطاء التي مورست بحقهم بشكل مقونن، عبر معاهدة لوزان، التي ما زالت تهدد السلم والأمن العالميين رغم مرور مئة عام على توقيعها.
معاهدة لوزان كرست ببنودها مبدأ الدول القومية، التي تصهر جميع القوميات والشعوب المتواجدة في تلك الدولة في قومية واحدة، وتلغي هوية ولغة وثقافة كافة الشعوب، بينما تفرض هوية ولغة وثقافة القومية الحاكمة، التركية في تركيا، والفارسية في إيران، والعربية في سوريا والعراق.
مبادئ معاهدة لوزان كانت الحجر الأساس للحروب التي اندلعت في المنطقة فيما بعد من أجل تغيير الحدود التي رسمت، وكان الجميع يسعى لتغييرها بطريقة أو بأخرى.
ولا يمكن تجاهل سياسات التغيير الديمغرافي التي انتهجتها أنظمة الحكم في البلدان الأربعة بحق الكرد بدرجة أولى، وبحق الشعوب الأصيلة في المنطقة منذ ذلك الحين ولغاية الآن، وهو ما يفعله الاحتلال التركي في مناطق شمال وشرق سوريا المحتلة.
مئة عام مضت على لوزان، وسيمضي الوقت الكثير أيضاً، بعد هذا التاريخ، التاريخ الذي علمنا أن الطغاة لا ينتصرون في نهاية القصة، أصحاب الحق منتصرون مهما طال الزمان بهم، وقصة الشعوب الأصيلة المضطهدة مع أنظمة الحكم لن تنتهي اليوم، ستنتهي غداً، وإن غداً لناظره قريب.
