بعد هزائمَ مُنيت بها الجيوش العربية المشاركة في حرب النكبة في فلسطين عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين ضد إسرائيل، دخلت وفود من تلك الدول التي كانت تعرف بدول الطوق، في اتفاقيات هدنة مع إسرائيل بدءاً بالرابع والعشرين من شباط فبراير عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين، وحتى العشرين من تموز يوليو في العام ذاته.

تلك الاتفاقيات التي عرفت باسم “ميثاق الهزيمة” في الأوساط الشعبية للدول الموقعة ممثلة بكل من مصر ولبنان والأردن وسوريا، شكلت بالفعل إعلاناً لانتهاء حرب النكبة وقيام إسرائيل على سبعة وسبعين في المئة من أراضي فلسطين التاريخية، باعتراف عالمي وإقرار عربي.
انطلقت مفاوضات الهدنة برعاية الأمم المتحدة في جزيرة رودس اليونانية، وكانت مصر أول الدول العربية التي وقعت اتفاقية الهدنة مع إسرائيل في الرابع والعشرين من شباط فبراير عام تسعة وأربعين، لحقها لبنان سريعاً ثم الأردن ثم سوريا في العشرين من تموز يوليو من ذات العام، وانسحبت الجيوش العربية لصالح إسرائيل من مواقع سيطرت عليها أثناء الحرب، باستثناء القوات العرقية التي سلمت مواقعها للقوات الأردنية في الضفة الغربية، دون مهادنة إسرائيل.

رسمت هذه الاتفاقيات حدود الهدنة التي أطلق عليها “الخط الأخضر“، وتضمنت مناطق منزوعة السلاح، وشروطاً للتواجد العسكري على حدود الدول العربية مع إسرائيل، تحت إشراف ومراقبة من قبل وكالات أممية، فيما وضع ما تبقى من الأراضي الفلسطينية تحت السيادة الأردنية والمصرية، ومُنِعَ الفلسطينيون من مقاومة إسرائيل، التي أصبحت محمية من العرب المهادنين، والذين مارسوا رقابة صارمة لمنع الفلسطينيين من اجتياز الحدود أو القيام بعمليات ضدها.

لكن الأبرز في هذه الهدن هي الأخيرة التي وقعت بين سوريا وإسرائيل، في المرتفع رقم 232 قرب الجولان المحتل، بحضور مندوب وسيط الأمم المتحدة ورئيس أركان مراقبة وقف إطلاق النار التابعة للمنظمة الدولية رالف بانش، في عهد الرئيس السوري حسني الزعيم، الذي بدأت المفاوضات بعد أربعة أيام من انقلابه على شكري القوتلي، واستمرت ثلاثة أشهر ونصف حتى توقيع اتفاقية الهدنة، التي تقع في مقدمة وثماني مواد وأربعة ملاحق، وتتشابه في خطوطها العامة مع الاتفاقيتين اللتين وقعتهما إسرائيل مع مصر والأردن.

وتوضح الفقرة الثانية من المادة الثانية طبيعة الاتفاقية، فهي تقضي بأن “أي حكم من أحكام هذا الاتفاق لا يستطيع أن يمس بأي حال حقوق أحد الطرفين ودعواه وموقفه من الحل السلمي النهائي للقضية الفلسطينية، وأن أحكام هذا الاتفاق قد أملتها اعتبارات عسكرية صرفة لا أثر للسياسية فيها“، كما تنص الفقرة على أنه “لا يجوز اكتساب ميزة عسكرية أو سياسية أثناء وقف القتال“.

أما المادة الخامسة من الاتفاقية فتحدد خط الهدنة بين القوات السورية والإسرائيلية والمنطقة العزلاء لفصل قوات الطرفين بصورة تقلل من إمكانات الاحتكاك والاصطدام، على أن تؤمن في الوقت نفسه عودة الحياة المدنية العادية تدريجياً في المنطقة العزلاء، دون أن يؤثر ذلك على الحل النهائي، وتنص الفقرة الثالثة من المادة نفسها على أن خط الهدنة هو “الخط المرفق بهذا الاتفاق في الملحق رقم واحد، وهو مرسوم في منتصف الطريق بين خطوط وقف القتال على طول الحدود الدولية بين سوريا وفلسطين“.
ووفقاً للفقرة ذاتها فإن الأماكن التي تكون فيها خطوط وقف القتال على طول الحدود الدولية في سوريا وفلسطين، فإن خط الهدنة يتبع هذه الحدود، وأما في الأماكن التي لا يطابق فيها خط الهدنة الحدود السياسية، “تشكل – ريثما يتم وضع اتفاق إقليمي نهائي – منطقة عزلاء يمنع فيها على الإطلاق وجود قوات الطرفين، ولا يسمح فيها بأي نشاط للقوات العسكرية أو شبه العسكرية، ويطبق هذا التدبير على قطاعي (عين جيف والدردارة)، الذين يعتبران جزءاً من المنطقة العزلاء“.

كما أشارت الفقرة الخامسة باء من المادة الخامسة بالقول الصريح، إلى أن “كل تقدم للقوات المسلحة التابعة لأحد الطرفين في هذا الاتفاق عسكرية كانت أو شبه عسكرية في أي مكان من المنطقة العزلاء، يشكل خرقاً صريحاً للاتفاق، إذا كان هذا التقدم قد شهد به ممثلو الأمم المتحدة” وهذا النص انفردت به الاتفاقية الإسرائيلية السورية.
وتنص الفقرة الفرعية التالية من الفقرة الخامسة في المادة الخامسة، على إخلاء القوات من المنطقة العزلاء والسماح بعودة المدنيين إلى قرى المنطقة ومستعمراتها، واستعمال شرطة مدنية محدودة العدد تؤلف محلياً للمحافظة على الأمن الداخلي، وأن “تنشأ على جانبي المنطقة العزلاء مناطق أخرى توضع فيها قوات دفاعية استناداً إلى تعريف اصطلاح القوات الدفاعية المتفق عليه“
ويحدد الملحق الأول للاتفاقية بشكل تفصيلي خط الهدنة على النحو التالي:
١ـ من نقطة تلاقي الحدود اللبنانية ـ السـورية ـ الفلسـطينية (٣٠٨,٧ ـ ٢٩٤,٢) وفـي الشرق حتى النقطة (٢١٢,٨ ـ٢٩٤,٧).
٢ ـ من النقطة ٢١٢,٨ ـ٢٩٤,١٧ باتجاه الجنوب على طول وادي العسل حتى مقام الشـيخ
المخفي.
٣ـ خط يسير من مقام المخفي حتى مقام النبي هود.
٤ـ خط يتجه من مقام النبي هود حتى النقطة ٢٩٠,٤ ـ ٢١٢,٧ .
٥ ـ من النقطة ٢٩٠,٤ ـ٢١٢,٧ حتى النقطة ٢٧٦,٨ ـ .٢١١,٠
٦ ـ من النقطة ٢٧٦,٨ ـ ٢١١,٠ حتى نقطة في وادي الصمادي (٢٧٦,٧ ـ٢١٠,٩).
٧ ـ من النقطة ٢٧٦,٧ـ٢١٠,٩ باتجاه الجنوب على طول وادي الصـمادي حتـى نقطـة
الالتقاء مع الطريق (٢٧٦,٦ ـ٢١٠,٣).
٨ ـ في الجنوب على طول الطريق في نقطة ٢٧٧,٦ ـ٢٠٩,٩ بمحاذاة شرق الدردارة.
٩ ـ في الغرب حتى نقطة ٢٧٢,٦ـ ٢٠٩٤,٧ الكائنة على ضفة الحولة.
١٠ ـ في الجنوب على الضفة حتى نقطة ٢٧١,٧ ـ٢٠٩,٢ عند مصب الشريعة.
١١ ـ في الشمال الغربي على طول الضفة الغربية لبحيرة الحولـة حتـى نقطـة ٢٧٢,٩ ـ
.٢٠٨,٥
١٢ ـ خط يسير من النقطة ٢٧٢,٩ ـ٢٠٨,٥ حتى النقطة ٢٦٩,١ ـ.٢٠٨,٥
١٣ـ خط يسير من النقطة ٢٦٩,١ ـ٢٠٥,٢ حتى النقطة ٢٦٥,١ ـ.٢٠٨,٨
١٤ـ في الجنوب على طول الشريعة حتى النقطة ٢٦٠,٠٠ ـ.٢٠٨,٧
١٥ـ خط يسير من النقطة ٢٦٠,٠ ـ٢٠٨,٧ حتى النقطة ٢٥٨,٢ ـ.٢٠٧,٤
١٦ـ خط يسير من النقطة ٢٥٨,٢ ـ٢٠٨,٥ حتى النقطة ٢٥٧,٠ ـ.٢٠٧,٠
١٧ـ خط يسير من النقطة ٢٥٧,٠ ـ ٢٠٧,٠ حتى النقطة ٢٥٦,٠ ـ٢٠٧,٤).
١٨ـ من النقطة ٢٥٦,٠ ـ٢٠٧,٤ باتجاه الجنوب على طول الفاصل السوري ـ الفلسـطيني
حتى الحد رقم ٦١ (٢٤٦,٣ ـ٢١٠,٦).
١٩ـ من الحد رقم ٦١ باتجاه الشرق على الحد الفاصل السوري حتى الحد رقم .٦٢
٢٠ـ من الحد رقم ٦٢ باتجاه الجنوب على طول الفاصل السـوري حتـى الحـد رقـم ٦٦
(٢٤٠,١ ـ٢١١,٧).
٢١ـ خط يسير من الحد رقم ٦٦ في نقطة كائنة على الضفة الشرقية لبحيرة طبرية (٢٣٩,٠
ـ٢٠٩,٦).
٢٢ـ من النقطة ٢٣٩,٠ ـ ٢٠٩,٦ باتجاه الجنوب على طول ضفة بحيرة طبرية حتى النقطة
٢٣٤,٨ ـ.٢٠٦,٤
٢٣ـ من النقطة ٢٣٤,٨ ـ ٢٠٦,٤ باتجاه الجنـوب حتـى مفتـرق الطريـق (٢٣٤,٥ ـ٢٠٦,٣) ومن هنا في الجنوب الشرقي على طول الضفة الغربية لسكة الحديد والجهة الغربيـة للطريق حتى الحصن الذي في النقطة ٢٣٢,٤ ـ.٢٠٧,٧
٢٤ـ من الحصن ٢٣٣,٤ ـ ٢٠٧,٧ على طول الطريق حتى نهر اليرموك وعلى الحدود في
النقطة ٢٣٢,٣ ـ .٢٠٩,٥
وتضمنت الاتفاقية إتمام انسحاب القوات العسكرية وشبه العسكرية بمعداتها الحربية من المنطقة العزلاء خلال اثني عشر أسبوعاً تبدأ من يوم التوقيع، وحدد المحلق الثاني منهاج هذا الانسحاب من حيث المكان والزمان، بينما تتطابق بقية البنود والمواد والفقرات مع مثيلاتها في الاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل من جهة، وكل من مصر ولبنان والأردن من جهة أخرى.

لكن هذه الاتفاقية كغيرها من الاتفاقيات الأخرى للهدنة مع إسرائيل، دخلت حيز التنفيذ فور توقيعها في العشرين من تموز يوليو عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين من الناحية النظرية فحسب، حيث تعرضت لخروقات عديدة منذ الأيام الأولى لتوقيعها، وهو ما كان موضع إدانة لجنة الرقابة المشتركة على الهدنة مئات المرات.

ففي أيار مايو عام ألف وتسعمئة وواحد وخمسين، نشب قتال بين سوريا وإسرائيل حول المنطقة المنزوعة السلاح، ما دعا مجلس الأمن للتدخل وإصدار القرار رقم اثنين وتسعين في الثامن من الشهر ذاته، الذي يطالب بوقف إطلاق النار واحترام اتفاق الهدنة، وبعد عشرة أيام من ذلك أصدر مجلس الأمن القرار رقم ثلاثة وتسعين الذي يطالب إسرائيل السماح فوراً بعودة العرب الذين هجّروا من المنطقة منزوعة السلاح.
واصلت إسرائيل خروقاتها للهدنة، واستهدفت تجفيف بحيرة الحولة الواقعة في المنطقة منزوعة السلاح، ما أدى لاشتباكات جديدة مع القوات السورية، ليصدر مجلس الأمن القرار رقم مئة في السابع والعشرين من تشرين الأول أكتوبر عام ألف وتسعمئة وثلاثة وخمسين، الذي يطالب إسرائيل بوقف العمل في تصريف المياه ببحيرة الحولة في المنطقة المنزوعة السلاح، لكن إسرائيل مضت في خروقاتها وأتمت مخططاتها تحت أنظار الأمم المتحدة.
لم يقتصر الأمر على تجفيف بحيرة الحولة، فأقدمت القوات الإسرائيلية في الحادي عشر من كانون الأول ديسمبر عام ألف وتسعمئة وخمسة وخمسين على مهاجمة الأراضي السورية في منطقة بحيرة طبريا، ليصدر قرار مجلس الأمن رقم مئة وأحد عشر في التاسع عشر من كانون الثاني يناير عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين، الذي دان الهجوم الإسرائيلي واعتبره غير مبرر وفقاً لتقارير مراقبي الهدنة.

وفي السادس عشر من آذار مارس عام ألف وتسعمئة واثنين وستين تكررت الاشتباكات السورية الإسرائيلية في منطقة طبريا، مما حمل مجلس الأمن على التدخل مرة أخرى، وإصدار القرار رقم مئة وواحد وسبعين في التاسع من أبريل نيسان عام ألف وتسعمئة واثنين وستين، دان فيه إسرائيل لشنها الهجوم.
كل تلك الخروقات والانتهاكات للهدنة من جانب إسرائيل كانت غيضاً من فيض، ومقدمات لإنهاء الهدنة التي انهارت عملياً صباح الخامس من حزيران عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين، عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية الجبهة السورية واحتلت قسماً كبيراً من الجولان، رغم نداءات متكررة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، من خلال القرارات “233 و 235 و 236 في حزيران يونيو عام سبعة وستين“، حيث لم يتوقف الهجوم الإسرائيلي إلا في اليوم العاشر من حزيران.

لكن المثير للجدل أن مجلس الأمن لم يطلب من إسرائيل خلال حرب حزيران عام سبعة وستين وخلافاً للمرات السابقة، العودة إلى خطوط وقف إطلاق النار المتفق عليها في اتفاقية الهدنة، ما جعل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية أمراً واقعاً، كما إن إسرائيل لم تستجب لقرار مجلس الأمن رقم مئتين واثنين وأربعين لعام سبعة وستين، القاضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة.
بقيت الأوضاع على الحدود بين الطرفين على تلك الآلية حتى نشبت حرب تشرين عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين، التي أجبرت فيها القوات الإسرائيلية على التراجع في بعض المواقع إلى حدود اتفاقية الهدنة، وبعد حرب الاستنزاف السورية الإسرائيلية التي جرت في الثلث الأول من العام أربعة وسبعين، اضطرت إسرائيل لتوقيع اتفاقية فصل القوات مع سوريا بجنيف في الحادي والثلاثين من أيار مايو عام ألف وتسعمئة وأربعة وسبعين، التي رسمت خطوطاً جديدة لوقف إطلاق النار.
منذ ذلك الحين أصبحت اتفاقية الهدنة الموقعة بين إسرائيل وسوريا عام تسعة وأربعين ساقطة فعلياً وقانونياً، وما يحكم العلاقة بين الطرفين هو اتفاقية فصل القوات لعام أربعة وسبعين، التي باركها مجلس الأمن بالقرار ثلاثمئة وخمسين في التاريخ ذاته، ونص القرار على إنشاء قوة جديدة تعمل تحت سلطة الأمم المتحدة باسم “يوندوف“، تراقب استمرار فصل القوات، ويجري تجديد مهمتها كل ستة أشهر.
