تقديراً لجهوده في “حل النزاعات والعلاقات بين الأعراق ونشر حقوق الإنسان والمصالحة والمساواة بين الجنسين” اختارت الجمعية العامة للأمم المتحدة يومَ الثامن عشر من تموز يوليو، وهو يوم مولد نيلسون مانديلا، ليكون يوماً عالمياً لنيلسون مانديلاً.
ولد دولي هلاهلا -اسم مانديلا الأصلي قبل أن تمنحه معلمةٌ له فيما بعد اسم نيلسون- في قرية مفيزو بمنطقة ترانسكي في جوهانسبرغ عام 1918م.
نيلسون مانديلا.. فكر مستنير أنضجته العنصرية
عانى نيلسون مانديلا وعائلته من العنصرية، فقد خسر والده الذي كان زعيم قبيلةٍ في قريته، زعامته وثروته، بعد أن وقع ضحيةً لحكمٍ جائر من «سيدٍ أبيض»، مما اضطره للرحيل مع ابنه نيلسون الذي لم يتجاوز التاسعة عن قريته، لينتقل مانديلا الابن إلى وصيٍّ يقوم على شأنه وتربيته.
هذا الرحيل لم يمنعه من إكمال تعليمه، فحاز على الشهادة المتوسطة، وانتقل إلى الجامعة إلّا أن مسيرة العنصرية لاحقته، وهذه المرة من رئيس الجامعة، فتركها إخلاصاً منه لمبادئه التي لم يتنازل عنها.
وعلى الرغم من معاناته من العنصرية في طفولته وأثناء التحاقه بالجامعة، إلا أنه لم يتخذ موقفاً معادياً لتلك العنصرية، بل على العكس كان مُعجباً أشد العجب بالديمقراطية الوهمية للبرلمان الغربي، منبهراً بنمط حياتهم.. وظل على هذه الحال إلى أن انتقل إلى مدينة جوهانسبرغ.
تمييز عنصري بالمدينة أوقد شعلة الحرية داخل مانديلا
يقول مانديلا في إحدى كتاباته بعد أن رأى حالة المعاناة التي يعيشها غير البيض في المدينة ” كانت جريمةً أن تدخل من باب مخصص للبيض، وجريمة أن تركب حافلة للبيض، وجريمة أن تستعمل صنبور مياه للبيض، وجريمة أن تسير على شاطئ مخصص للبيض، وجريمة أن توجد في الشارع بعد الحادية عشرة مساء، وجريمة ألا تحمل دفتر تصاريح، وجريمة أن يكون هناك توقيع خطأ في الدفتر، وجريمة أن تكون عاطلاً، وجريمة أن تصل في المكان الخطأ، وجريمة أن تسكن في المكان الخطأ، وجريمة ألا يكون لك سكن. كنا نسمع يومياً آلاف الإهانات التي يلقاها الأفارقة في حياتهم”.
متطلبات الحياة الجديدة في المدينة، أجبرت مانديلا على العمل في أحد المناجم، أكثر الأماكن تطبيقاً للتمييز العنصري، فذوي الأصول الإفريقية هناك يعملون ليلاً نهاراً لاستخراج ثرواتٍ من باطن الأرض وتقديمها للسيد الأبيض، الذي قطع مئات الكيلو مترات وأصبح سيداً عليهم في أرضهم، فعاش مانديلا أياماً صعبة، وذاق مراراتٍ كثيرة، مثل الآلاف من أبناء شعبه.
لم تمنعه تلك السياسة العنصرية من إكمال دراسته، فشغفُهُ بالدفاع عن حقوق شعبه كان أقوى من كل سياسات التمييز، فدرس الحقوق وحصل على إجازةٍ فيها وذاد في الدفاع عن حقوقهم، وانخرط في العمل السياسي، فالتحق بحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وصار بعد فترةٍ أحد أبرز وجوهه، لوحق مانديلا بعد أن أصبح المُناضل الأبرز في بلاده ضد (نظام التمييز العنصري).
يقول نيلسون عنها “أصبحت مخلوقاً ليلياً، فكنت لا أخرج لعملي إلا في الظلام. وفي الأساس كنت أعمل في جوهانسبرغ، لكنني كنت أسافر إذا استدعى الأمر. كنت أقيم في شقق خالية، وفي منازل الآخرين، وفي أي مكان يمكن أن أكون فيه وحيداً وغير مرئي. وعندما كنت أعيش مختبئاً كنت لا أسير طويلاً معتدل القامة، وكنت أتكلم بصوت خفيض من دون وضوح أو تميز، وكنت لا أسأل عن أي شيء، بل كنت أترك الآخرين يخبرونني عما أعمل. وكنت غالباً ما أتخفى كسائق أو طباخ أو بستاني، وكنت أرتدي الزي الأزرق، أو زي عمال الزراعة.”
مصر.. نموذج الحضارة الإفريقي بديل ديمقراطية الغرب الوهمية
بعد أن كان مانديلاً يرى في المجتمع الغربي قمة الديمقراطية، تحول إلى مناضلٍ عنيدٍ يعد إفريقيته حلاً لأزمات العنصرية في بلاده، بل وفي القارة السمراء كلها، وبعد هروبه من جنوب إفريقيا، جاب العديدَ من الدول الإفريقية كإثيوبيا والسودان، واطلع على تجارب المقاومة في الجزائر، والتقى ثواراً في المغرب، وكانت له وَقفةٌ خاصةٌ مع مصر تحديداً، مع حضارتها القديمة، يقول مانديلا عن ذلك في سيرته الذاتية: «كانت مصر قد تملّكت مخيلتي، وأنا طالب، كمهدٍ للحضارة الإفريقية وكنز لجمال الفن والتصميم، وكنت دائما أرغب في زيارة الأهرام وأبو الهول وعبور نهر النيل أعظم أنهار إفريقيا، ذهبت إلى القاهرة وقضيت يومي الأول في المتحف أفحص القطع الفنية، وأدون الملاحظات وأجمع المعلومات عن نمط الرجال الذين أسسوا حضارة وادي النيل القديمة، ولم يكن اهتمامي اهتمام هاوٍ للآثار، فإن من المهم للأفارقة القوميين أن يتسلحوا بالبرهان الذي يدحضون به ادعاءات البيض بأن الأفارقة لم تكن لهم في الماضي حضارةٌ تُضارع مدنية الغرب. واكتشفت في صباحٍ واحدٍ أن المصريين كانوا يبدعون أعمالاً فنية ومعمارية عظيمة، بينما كان الغربيون في الكهوف. وكانت مصر نموذجاً مهماً لنا”.
مانديلا في السجن… قيود أسست لتحطيم جدار العنصرية
ولأن قدرَ جميع الثوار الملاحقةُ والمعاناةُ في السجون، تم إلقاء القبض على نيلسون مانديلا بعد ملاحقةٍ حثيثةٍ من المخابرات، وحُكم عليه بعد ذلك بالسـجن المؤبّد، إلا أن دِفاعه عن حقوق شعبه صار مادةً دسمةً لوسائل الإعلام آنذاك، فنقلت صحفٌ عدة مُهاجمته للنظام العنصري في بلاده، واعتباره سببَ مآسي شعبه، مؤكداً أن قضيته ليست موجهةً إلى كره البيض، بل العمل على خلق وطنٍ ديمقراطي يتمتع فيه الجميع بالمساواة، ويعيشون معاً في سلام، إلا أن جميعَ المناشدات لم تلقَ آذاناً صاغية، الأمرُ الذي دفع حزبه «المؤتمر الوطني» لانتهاج وسائل مقاومةٍ غير سلمية.
أعلن مانديلا من سجنه أنه مستعدٌ للموت في سبيل قضية تحرر شعبه، ولم يندم على المسافات الطويلة التي قطعها نحو النور والحرية، بل واصل عمله في السجن على إبقاء جذوةِ الكفاح مشتعلة، فتواصل مع مسجونين سياسيين، للوقوف على أخبار المقاومين في الخارج، رغم نفيهم في سجنٍ بعيدٍ في جزيرةٍ معزولة.
حمل نيلسون مانديلا رايةَ التمرد في المُعتقل، إذ رفض في البداية الزيَّ الذي كان يوزّع على المساجين من ذوي الأصول الإفريقية تحديداً، وعمل على تحسين أحوال المحبوسين، مرةً مع الطعام، ومرةً مع تخفيف العمل، وتوفير ظروفٍ شبه إنسانية للمسجونين، إلا أن سلطاتِ السجن رفضت تذمّر المناضل نيلسون مانديلا، واقتادته إلى حبسٍ انفرادي.
عمدت السلطات العنصرية إلى تضييق الخناق على نيلسون مانديلا ورفاقه في السجن، فرضوا عليهم أعمالاً شديدةَ الصعوبة، تفتيت صخر، وعملٌ في المحاجر، ونومٌ في غرفٍ رطبة، وطعام شديد الرداءة، وعزل عن العالم الخارجي، ومنع زياراتٍ إلا مرةً في العام، وتمزيق رسائلَ قادمةٍ من الأهل، وغيرها من صور المضايقة التي لجأت لها سلطات السجن، لكي يتخلّى مانديلا وغيره من المناضلين عن قضيتهم، وينسَون ما يدور هناك في السجن العنصري الكبير، خارج الجزيرة المعزولين فيها.
قضى مانديلا في سجنه 27 سنة، ولم ينسَ المناضل الجنوب إفريقي أن يَنسب بعضَ الفضل لأهله خلال تلك الفترة، فالصورة لم تكن شديدةَ العتمة طوال تلك الأعوام، فثمة أيامٌ خفّف وطأةَ محبسه فيها سجّانٌ يتعاطف، يُمرّر إليه بعض الأشياء، جرائدَ أو أوراقاً، أو طعاماً مختلفاً، أو ملابسَ جديدة.
تصاعدت الاحتجاجات خارج السجن، في ساحات جنوب إفريقيا نهاية الثمانينيات، وطالب زعماء وقادة دولٍ بإطلاق سراح مانديلا، ما دفع رئيس جنوب إفريقيا حينها إلى الدخول في مفاوضات معه، مشترطاً تخلّي مانديلا ورفاقه عن نهجهم القديم، لكن مانديلا رفضَ الاشتراطات، وأجبر السلطات على الجلوس معهم والتفاوض بلا أي تنازلات، ونُقل مانديلا إلى سجنٍ آخر، وخلال تلك الفترة التفاوضية تحديداً كان شبه مُطلقِ السراح، يقيمُ في استراحةٍ خاصة، حتى تم الإفراج عنه في 1990.
استُقبل نيلسون استقبالَ الأبطال، وخطب في شعبه في العديد من المُدن، صدمَ السلطاتِ التي كانت تظن أن السجن قد أوهن عزيمته، وأنه قد وصل إلى أقصى ما يتمناه من شهرة، إذ أعلن نيلسون مانديلا عن مواصلته السير في درب المقاومة حتى يواصل أحلام شعبه، وينهي تماماً نظام التمييز العنصري في بلاده، وينعم الكل في وطنه بالمساواة والكرامة الإنسانية، بل وأعلن أنه مستعدٌ للذهاب إلى السجن مرةً أخرى، من أجل استكمال مسيرة الحرية التي بدأها وهو شاب.
اعترفتِ السلطات بالمؤتمر الوطني، ولم يعد هناك حظرٌ على أعضائه، وعلى غيره من المنظمات، كما تم الإفراج عن المسجونين السياسيين، ليتم هدمُ نظام التمييز العنصري، وتشرق شمسٌ جديدةٌ على جنوب إفريقيا، بفضل مانديلا ورفاقه.
يعد مانديلا رمزًا وطنيًا للنضال من أجل المساواة، وواحدًا من أكثر الشخصيات السياسية تأثيرًا في القرن العشرين.
تم انتخاب نيلسون مانديلا أوّل رئيسٍ أسودَ لجنوب أفريقيا في عام 1994، بعد أول انتخاباتٍ مُتعددةِ الأعراق في تاريخ البلاد، وقد حصل هو ورئيسُ وزراء جنوب إفريقيا على جائزة نوبل للسلام عام 1993، لدورهما في تفكيك نظام الفَصل العنصري، وفي الخامس من كانون الأول ديسمبر من عام 2013 غيّب الموت الزعيم نيلسون مانديلا الذي كان يرى أن المجتمع الديمُقراطي والحر بمثابة “مثل أعلى، آمل أن أحيا من أجله وأن أحققه، ولكن إذا استدعى الأمر، فأنا على استعداد لأن أموت في سبيله”.
