في الأول من أيلول/ سبتمبر من كل عام، يحتفل العالم بعيدِ السلام العالمي، في مناسبة تستحضرُ ذكرى اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتذكر بكُلفة الحروب وما تخلّفه من دمارٍ ومعاناة، لتتجدد الدعواتُ إلى السلام، في ذكرى واحدةٍ من أكثر الحروب دمويةً في التاريخ الحديث.
ففي عام ألفٍ وتسعمئة وتسعةٍ وثلاثين، اجتاحت القوات الألمانية بولندا لتندلعَ الحرب العالمية الثانية، حربٌ امتدت لست سنوات، وخلفت عشرات الملايين من القتلى والجرحى والنازحين، وتركت آثارًا عميقةً في تاريخ البشرية.
وبعد سنوات الحرب، تحوّلت ذكرى الأول من أيلول/ سبتمبر من رمزٍ لبداية الحرب إلى مناسبةٍ تحمِلُ رسالةً مناقضة لها، “رسالة تدعو إلى السلام ونبذ العنف”.
في عام 1970 اعتمد مجلس السلام العالمي الأول من أيلول/ سبتمبر يومًا عالميًا للسلام، لتنتشر هذه المناسبة في عددٍ من الدول والمجتمعات، وتصبح موعدًا سنويًّا للتعبير عن رفض الحروب، والمطالبة بالسلام والعدالة والتعايش.
المناسبة تكتسب أهميةً خاصة في الشرق الأوسط، الذي عرف عقودًا من الحروب والصراعات وما زالت آثارُها حاضرة، حيث تتجدد الدعواتُ إلى السلام في خطابات قوى وأحزابٍ سياسية، ولا سيما الأحزاب الكردية في تركيا، التي تدعو إلى وقف العنف والانتهاكات واللجوء إلى الحلول السياسية.
السلام ارتبط لدى قطاعاتٍ واسعة من الكرد في الشرق الأوسط، بالحرية والكرامة والاعتراف بالحقوق والهوية في مناطقهم، بما يتجاوز غياب الحرب إلى حياةٍ آمنة، تقوم على الحوار والتعايش والمساواة.
وفي سوريا، تكتسب دعواتُ السلام اليوم معنًى أكثرَ ارتباطًا بالواقع، مع انتقال العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، إلى مسار الحوار كاختبارٍ لإمكانية تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع، يحفظ وحدة البلاد ويضمن حقوقَ مكوناتها، ولا سيما الكرد الذين عانوا سنواتٍ من التهميش، ويضع الحوار بدلاً من المواجهة طريقًا لمعالجة الخلافات.
ومع إعلان قسد اندماجها ضمن مؤسسات الدولة، يبرز السلام بوصفه خيارًا يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، عنوانها الشراكة الوطنية والاستقرار.
لكن الأول من أيلول/ سبتمبر ليس التاريخَ الوحيد الذي يحمل رسالة السلام، فبعد عقود، اعتمدت الأمم المتحدة تاريخًا آخرَ ليكون يومًا دوليًّا للسلام، ففي عام ألف وتسعمئة وواحدٍ وثمانين، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا، بتخصيص يومٍ للسلام يتزامن مع افتتاح دورتها السنوية، وفي عام ألفين وواحد، حددت الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمبر موعدًا ثابتًا لليوم الدولي للسلام.
وبذلك، بات للسلام تاريخان يحملان رسالتين متقاربتين، وإن اختلفت خلفيةُ كل منهما، فالأول من أيلول يستحضرُ ذاكرةَ الحرب العالمية الثانية، وتحوّل إلى رمزٍ لحركات السلام ومناهضة الحروب، فيما يحمل الحادي والعشرون من أيلول الصفةَ الرسمية، لليوم الدولي للسلام الذي أقرته الأمم المتحدة.
وبين التاريخين، تبقى الرسالة واحدة “السلام لا يعني مجرد غياب الحرب، بل الأمن والكرامة والعدالة والحياة الحرة”، وإنهاء الصراعات لا يبدأ بصمت السلاح فحسب، بل بإرادة حقيقية تجعل الحوار والتعايش أساسًا لبناء المستقبل”.
