في زمنٍ تتبدّل فيه المعادلاتُ بسرعة، وتتحوّل فيه القوةُ من موقعٍ إلى آخرَ، تبدو بعضُ اللحظات وكأنها تختصر سنواتٍ طويلةً من التاريخ، ولعلَّ إعلانَ قائدِ قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، من دمشق، انتهاءَ مهمّةِ “قسد” وحلَّها كقوةٍ عسكريةٍ مستقلة، يمثّلُ واحدةً من أكثرِ تلكَ اللحظاتِ دلالة في تاريخ سوريا الحديث.
فالقوة التي وُلِدَتْ في واحدةٍ من أكثرِ المراحلِ دمويّةً في الحرب السورية، حين كان تنظيمُ داعش الإرهابي يفرِضُ سيطرتَه على مِساحاتٍ واسعة من البلاد، وينشر الرّعبَ والقتلَ والتهجير، تُنهي اليومَ مسيرتَها العسكريةَ المستقلة بعد نحوِ أحدَ عشرَ عاماً على تأسيسها، معلنةً انتقالَ مقاتليها ومؤسساتِها إلى إطارِ الدّولةِ السورية.
في تشرين الأول/أكتوبر ألفين وخمسةَ عشرَ، أُعلِنَ تأسيسُ قواتِ سوريا الديمقراطية في شمال شرقي سوريا، كتحالفٍ عسكريٍّ ضَمَّ تشكيلاتٍ متعدّدةً، بينها قُوىً كرديّةٌ وعربيّةٌ وسريانيّةٌ وغيرُها. وجاء التأسيسُ في مرحلةٍ كان فيها تنظيمُ داعش لا يزال يمثل تهديداً واسعاً على الأرض، فيما كانت مدنٌ وبلداتٌ سورية تعيش تحت وطأةِ الحربِ والفوضى.
لم تكن “قسد” في بدايتها مجرَّدَ تشكيلٍ عسكريٍّ جديد، بل كانت تعبيراً عن واقعٍ ميداني فرضتْه الحرب. ومع الوقت أصبحتِ القوّةَ الرئيسيّةَ التي يَعتمد عليها التحالفُ الدَّوْليُّ في عملياته ضدَّ تنظيمِ داعش في شمال وشرق سوريا.
ومنذ ذلك الوقت، دخلت “قسد” واحدةً من أكثرِ المراحلِ قسوةً في تاريخها؛ معاركُ متواصلةٌ، عملياتُ اقتحام، حقولُ ألغام، هجماتٌ انتحارية، قنّاصة، وقرىً ومدنٌ تحوّلتْ إلى ساحات قتال. وكان الثمنُ البشريُّ باهظاً.
كان تنظيمُ داعش، في ذُروةِ تَمدّدِهِ، لا يمثّلُ تهديداً عسكرياً فحسب، بل مشروعاً لتدمير الحياةِ نفسِها. فقد سيطر على مناطقَ واسعةٍ من سوريا والعراق، وارتكبَ جرائمَ واسعةً بحقِّ المدنيّين، وفرض قوانينَه بالقوة، ودمّرَ النسيجَ الاجتماعيَّ، وشرّدَ مئاتِ الآلافِ من المدنيّين.
وخلال سنواتٍ طويلةٍ في مواجهةِ هذا التنظيم خاضتْ قسد معاركَ شرسةً ضد داعش، من المالكية/ديريك إلى كوباني، ومن كوباني إلى الرقّةِ “العاصمةِ الفعليةِ للتنظيم في سوريا” آنذاك؛ لتأتيَ بعدَها معاركُ ريفِ دير الزور ومناطقَ أخرى من شرق البلاد، وصولاً إلى إنهاءِ السيطرةِ الإقليميةِ الواسعةِ لداعش.
قدّمتْ قواتُ سوريا الديمقراطية تضحياتٍ كبيرةً، وسقط من مقاتليها ومقاتلاتِها آلافُ القتلى والجرحى في معاركَ كان هدفَها دحرُ داعش ومنعُ عودتِه، وتأمينُ مناطقَ واسعةٍ من خطر الإرهاب.
ومع انحسار خطرِ داعش وسقوطِ آخرِ معاقلِه، وهروبِ رأسِ النظام السوري بشارِ الأسد وتغيّرِ السّلطةِ في دمشق، تغيّرتْ طبيعةُ المرحلة. فلم يَعُدِ السؤالُ كيف يُهزَم التنظيم؟، بل كيف تنتهي حالةُ الحرب؟، وكيف تنتقلُ القُوى التي نشأتْ خلالَها إلى إطارِ الدولة؟.
هنا بدأتْ رحلةٌ طويلةٌ من التفاوض بين دمشقَ و”قسد”، تخلّلتْها اشكالٌ مختلفةٌ من التصعيد، انتهتْ باتفاقِ التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير والذي نصَّ على دمجِ قواتِ سوريا الديمقراطية ومؤسساتِ الإدارةِ الذاتية ضمنَ الدولةِ السورية.
اليوم، يُعلِنُ القائدُ العامّ لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي من دمشق انتهاءَ مهمّةِ قواتِه، وحلَّها كقوةٍ عسكريةٍ مستقلة، والاندماجَ في الجيش السوري، لتنتهيَ بذلك رحلةٌ، عمادُها دماءُ من ضَحَّوْا بحياتهم في مواجهة الإرهاب، ولتبقى مناطقُهم متماسكةً اجتماعيًّا؛ ويسودُها الأمنُ والسلام، وبالتالي فإنّ الراياتِ قد تتغيّرٌ والتشكيلاتُ العسكريةُ قد تنتهي، لكنّ التضحياتِ تبقى جزءاً من تاريخ سوريا.
التحدّي الحقيقيُّ اليومَ ليس فقط دمجَ القوات، بل بناءَ دولةٍ يشعرُ فيها كلُّ سوريٍّ بالأمانِ والمساواةِ والانتماء، دولةٍ لا يحتاجُ فيها السوريُّ إلى قوّةٍ خاصّةٍ تَحميه، بل يحتاجُ إلى جيشٍ وطنيٍّ لا يفرّقُ بين طائفةٍ وعرقٍ ومذهبٍ ودين، جيشٍ يكونُ قادراً على حمايةِ الجميعِ وصَوْنِ حقوقِهِم.
