ثورة شمال وشرق سوريا المعروفة بثورة المرأة.. تجلّت أولى مظاهر انطلاقها للعالم الخارجي مع تشكل كتائب وحدات حماية المرأة في المنطقة.
هنَّ مقاتلاتٌ لا يُبارحن طوابيرهن العسكرية، يلازمن ارتداءَ الزي العسكري ويتأهّبنَ للمقاومة والقتال في أي لحظةٍ قد تتعرّض فيها مناطقهن للتهديد من قوى الاحتلال والإرهاب، التي ما انفكّت تحاول بشتّى الأساليب تدميَر الثبات والتقدّم في نظام المنطقة بكل أوجهه، الاجتماعي ـ الاقتصادي ـ العسكري ـ الأمني والدبلوماسي.

توجّهت الصحافة العالمية إلى تناول مستجدات تلك المقاتلات في تحديثاتها بكثافة، مع خوضهن لسنوات نضالٍ عسكريٍّ كبيرٍ ضد أعتى تنظيمات الإرهاب التي شهدها العالم ـ تنظيمُ داعش الإرهابي ـ والذي شكّلت المرأة الكردية المقاتلة أكبرَ مخاوفه طوال فترة الحملات العسكرية، التي شاركت فيها وحدات حماية المرأة لتحرير كامل مناطق شمال وشرق سوريا من إرهابه.

انتسبتِ الشاباتُ الكرديات إلى صفوف وحدات الحماية الذاتية في ألفين وأحد عشر، التي تشكلت مع بدء المؤشرات الأولى لانطلاق ثورة شمال وشرق سوريا، بعد خروج قوات الحكومة السورية من المدن الكردية إلى المناطق التي أسماها الرئيس السوري بشار الأسد بسوريا المفيدة، تاركةً المنطقةَ تواجه مصيرها وحيدةً في مواجهة الإرهاب والاحتلال.

في الثالث عشر من شباط/فبراير ألفين وثلاثة عشر، تشكّلت أوّلُ كتيبةٍ عسكرية خاصةٍ بالمرأة باسم “كتيبة الشهيدة روكن”، أنشأتها مجموعةٌ من الشابات الكرديات في ناحية جنديرس بمدينة عفرين شمالي سوريا، لتحمي المرأة وتدافع عن مُكتسباتها الحقوقية في وجه القوى الرجعية الخارجية المتعدية عليها.

وأصبحت هذه الكتيبةُ نواةَ وحدات حماية المرأة، إذ توالى تشكيل الكتائب النسائية في مناطقَ مختلفةٍ من شمال وشرق سوريا في نفس العام، فبعد عفرين احتفلت مدينة قامشلي بيوم المرأة العالمي مُعلنةً عن تشكيل كتيبة الشهيدة عدالة، أعقبتها كوباني بالإعلان عن كتيبة الشهيدة دجلة في الثالث والعشرين من شهر آذار/مارس، ثم شكّلت مناطقُ في نواحي قامشلي مثل ديريك والدرباسية بدورها، كتائبَ وحداتِ حمايةِ المرأة خاصةٍ بمناطقها.

استمرَّ تأسيس الكتائب العسكرية في مناطق شمال وشرق سوريا إلى أن عقدَت جميعُها مؤتمراً تأسيسياً لوحدات حماية المرأة في مدينة ديريك تحت شعار “نظّمنَّ ذواتكنَّ في وحدات حماية المرأة YPJ لضمان انتصار الثورة”، وذلك بتاريخ الثاني من نيسان/أبريل ألفين وثلاثة عشر.
أُعلن عن تأسيس وحدات حماية المرأة بشكلٍ رسميٍّ في الرابع من نيسان/أبريل من العام ذاته، وبذلك آلت وحدات الحماية الذاتية إلى وحدات حماية المرأة، ووحدات حماية الشعب.
تزامنَ مع ذلك الاتساع، افتتاحُ دوراتٍ تدريبيةٍ فكرية وعسكرية، حيث تشكلت أوّل أكاديميةٍ عسكريةٍ للمرأة في منطقة ديريك باسم “الشهيدة شيلان”.

وبالحديث عن حياة المقاتلات في الكتائب العسكرية، فهُنَّ شاباتٌ تتراوح أعمارُهنَّ بين الثامنة عشرة والأربعين، يتلقّين التدريبَ البدني وَفقاً لمُناخ الحرب، ويُصبحنَ متهيئاتٍ لاستخدام مُختلف أنواع الأسلحة.
كتيبةُ وحدات حماية المرأة، وقبلَ أن تكون كتيبةً عسكريةً هي في جوهرِها أكاديميةٌ فكريةٌ أيضاً، تقوم وَفق إيديولوجيةٍ تُعزّز لديهنَّ روحَ الوطنية والأخلاق، وَفق مبدأ أنَّ أيَّ امرأةٍ من أي مكونٍ يمكنُها اتخاذ قرارِها بنفسها، بالوقوف في وجه جميع العوائق والصعوبات والعادات والتقاليد البالية.

باندفاعٍ نفسيٍّ قويٍّ تمنحه هذه المبادئ، كثيراً ما حقّقت وحدات حماية المرأة النصرَ في معاركَ كانت مؤشراتُها تحسم نتيجتها لصالح خصومِهنَّ وأعدائهن.
من الجدير الإشارة هنا إلى أن المقاتلات بدأنَ بعددٍ إجماليٍّ تجاوز السبعة آلاف مقاتلة، ومع التقدّم في النضال ورغم فقدِهن لعددٍ من خيرة مقاتلاتهن خلال المعارك، إلّا أن أعدادهن تجاوزت ثلاثةَ أضعاف هذا الرقم بعد خمس سنواتٍ فقط من التأسيس، إذ قرّرت شاباتٌ من المكونات الأخرى، العربية والسريانية الانتسابَ إلى وحدات حماية المرأة إسوةً بنظيراتهن الكرديات.

تناضل وحداتُ حماية المرأة ضد جميع القوى المُمارسةِ للعنف بنوعيه الجسدي والنفسي، وما يترتّب عليهما من جرائمِ القتل والاغتصاب والاسترقاق، إزاء النساء من مختلف المكونات والأعراق.
بناءً عليه، شاركت وحدات حماية المرأة خلال عام ألفين وأربعة عشر بالقتال ضد تنظيم داعش الإرهابي، لإنقاذ المرأة الإيزيدية في قضاء سنجار شمال شرقي العراق، والتي عانت ولاتزال من تَبعات ممارسات الإرهابيين الخارجةِ عن إطار الأخلاق والإنسانية.
خلال العامِ نفسه، عندما ظفرت مقاتلات وحدات حماية المرأة ووحدات حماية الشعب بالنصر في مقاومة كوباني، رَغم حصار كامل المنطقة من قبل الإرهابيين، اندهشَ العالم من عظمة استعداد المقاتلات بأرواحٍ فدائيةٍ للوقوف أمام العدو، والحيلولة دون دخوله المدينة.
آرين ميركان أوّل مقاتلةٍ فدائيةٍ في وحدات حماية المرأة خلال مقاومة كوباني، لمع اسمها عالمياً عندما فجّرت نفسها أمام رتلٍ عسكريٍّ لإرهابي داعش، حاول اقتحام خنادق القتال في المدينة.

لاحقاً في عام ألفين وثمانية عشر شاركت وحدات حماية المرأة بريادةٍ في مقاومة العصر، إبّان هجوم الاحتلال التركي على منطقة عفرين، بل وكانت مقاتلاتُها المُستهدَفَ الأكبرَ من ذلك الهجوم، ولاتزال مشاهد الفيديو، الذي يعرض محاولة عناصر الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي، التنكيلَ بجثة المقاتلة بارين كوباني، حاضرةً في ذاكرة السوريين.
التخويف المُمارَس من قبل الاحتلال وفصائله لم يثبّط من عزيمة مقاتلات وحدات حماية المرأة، في المشاركة بمقاومة الكرامة، عندما بدأ هجومَه على الشريط المُمتدِّ من مدينة رأس العين إلى تل أبيض في الشمال السوري في العام ألفين وتسعة عشر، ليلجأ مُجدداً إلى أساليبه اللاإنسانية بحقهن، ضارباً بعرض الحائط جميعَ القوانين الدولية الرادعة.
يمكن الاستشهاد هنا بقضية المُقاتلة جيجك كوباني، التي أُصيبت خلال المقاومة بقرية مشرافة التابعة لناحية عين عيسى، والتي وقعت أسيرةً بأيدي الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي، الذين حاولوا ابتزاز الشعب والمقاتلات وبثِّ الرعب في نفوسهن، من خلال نشر فيديو مُصورٍ يظهرون فيه مُطوّقين للمقاتلة الأسيرة، وهم يُطلقون التهديدات بشتّى أنواع التعذيب التي ستلحقها، وإلى الوقت الراهن لايزال مصيرُ جيجك مجهولاً.

مؤخراً ورغم التهديدات التي أطلقها رئيس النظام التركي رجب أردوغان ببدء هجومٍ عسكريٍّ ضد المنطقة، واستخدام إرهابييه في مهاجمة مقاتلات وحدات حماية المرأة مرةً جديدة، إلّا أنه لم يتلقَّ الضوءَ الأخضر من حلفائه.

عجز أردوغان عن كظم غيظه، فلجأ إلى أسلوبٍ غادرٍ بعيداً عن المواجهة العسكرية المباشرة، إذ اعتمد على استخباراته وحاول رصد تحركات قيادات وحدات حماية المرأة، ولأن المجتمع الدولي لم يفعّل الحظر الجوي على مناطق شمال وشرق سوريا، استخدم الاحتلال التركي الطائرات المُسيرة في قتل القياديات العسكريات، أمثال جيان تولهلدان، بارين بوتان، وروج خابور!
عشرُ سنواتٍ على إعلان التأسيس ووحدات حماية المرأة تزدادُ عدداً وعزيمة، مُخيبةً آمال ممارسات الاحتلال التركي، التي أثارت فيهنَّ مفعولاً عكسياً، حفّزهُنَّ على التقدّم والازدهار بدلاً من التراجع والانحسار.
