إعـداد: أحــمد حســن
أين ينبض العِرق الذي يوجّه الشعر؟.. سيداي جكرخوين نموذجًا
خرجت كل الأعمال الخالدة عبر التاريخ من أقلام الدراويش الذين دفعوا الثمن من حياتهم؛ لأن الثمن هو خميرة التمرد والمقاومة وعشق الحرية.
فمن دون عشق الحرية يتحول الشعر إلى زينة، ومن دون تاريخ يبقى بلا جذور، والتاريخ ذاكرة كالتراب، ومن دون فلسفة يبقى هزيلًا. وقد مزج سيداي جكرخوين أعماله بفلسفة الحرية والتاريخ والذاكرة.
تلك هي خميرة الشعر والفن والأدب، وجذور هذه الخميرة ضاربة في العمق.
بدأ التمرد ضد الظلم على سندان الحداد كاوا، وكبر بمقاومة بابك، وبثورة مزدك التي جعلت الأرض مشاعًا.
ومن تقليد التمرد هذا تغذّى سيداي جكرخوين، وقطّر هذا التقليد من ثلاثة منابع: من احتراق بابا طاهر العريان، ومن قضية أحمد الخاني، ومن «لغة الطير» عند فقيه طيران.
الدرويش الذي دفع الثمن: من شيخموس إلى سيداي جكرخوين
وُلد شيخموس حسن عام 1903 في كرجوش (Gercüş). وعندما هاجر مع عائلته إلى عامودا عام 1914، وعمل راعيًا وعاملًا في الحادية عشرة من عمره، نال الإجازة العلمية في المدرسة الشرعية على يد سيداي ملا عبيد الله، وكان في البداية إمامًا.
شارك في ثورة الشيخ سعيد عام 1925، وبعد قمع الثورة نُفي إلى رواندوز وبغداد. وعندما بدأ الكتابة في مجلة «هاوار» عام 1932 اختار لنفسه اسمًا: سيداي جكرخوين، أي «دامي القلب». ولم يكن ذلك لقبًا أدبيًا، بل كان خلاصة حياة.
لقد تحوّل الوعي الوطني العميق الذي وجّه فن سيداي جكرخوين وعالمه الوجداني والفكري، إلى ترجمان أمين لآلام الشعب الكردي وقضيته.
حُسن التسمية: من الشرارة إلى اللهب
يجب حُسن التسمية في العشق وفي التمرد أيضًا، فليس قول «أشتاق» كقول: «كردستان التي اختنقت في حلقي هي أنتِ». فعندما تسمّيها بشعار، تصبح مناضل قضيتك وشاعرها، وعندما تضع اسمها في «من نحن»، يصيب السهم هدفه.
وقد أحسن سيداي جكرخوين التسمية؛ ففي عام 1945 سمّى ديوانه الأول الصادر في دمشق «برِويسك وبيتي – الشرارة واللهب»، وفي عام 1973 تساءل «كيما أز؟ – من أنا؟». وكان هذا السؤال امتدادًا لسؤال أحمد الخاني في «مم وزين» عام 1650؛ لماذا الأكراد بؤساء؟ لقد التقط روح العصر.
مثقف حقيقي التحم بشعبه
كانت حياة سيداي جكرخوين خريطة منفى؛ عامودا، القامشلي، بغداد، سجن دمشق، بيروت، ستوكهولم. لكنه حتى في المنفى ظل مدافعًا صلبًا عن قضيته، لم ينقطع عن شعبه، وبقي مثقفًا حقيقيًا ملتحمًا به.
انضم عام 1948 إلى الحزب الشيوعي السوري، وانفصل عنه عام 1957 لينضم إلى مؤسسي الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا. وفي عام 1959 أصبح أول مدرّس للغة الكردية في جامعة بغداد. واعتُقل عام 1963 في دمشق، والتحق عام 1969 بحركة البارزاني.
وفي السنوات التي نمت فيها حركة التحرر الوطني الكردستانية وتحولت إلى قوة منظمة في الشرق الأوسط وحتى أوروبا، اندمج سيداي جكرخوين مع حركة الحرية؛ فقُرئ شعره في المهرجانات، ووُزّع في البيانات، واستُنسخ في الأشرطة.
وأثناء وجوده في المنفى الأوروبي، وعلى أثر الانقلاب العسكري التركي في 12 أيلول، ونزوح عشرات الآلاف من المثقفين والكتّاب والفنانين والسياسيين الوطنيين الأكراد إلى أوروبا، أسس سيداي جكرخوين مع يلماز غوني والعديد من المثقفين الأكراد معهد باريس الكردي.
الشعر في قضية المظلومين
الحكام يلوثون التاريخ بظلمهم، والمظلومون يكتبون الشعر. قد يُمحى التاريخ وتُحرق الأرشيفات، لكن بيتًا من الشعر لا يُمحى من الذاكرة؛ إذ يصبح مهدًا ومرثية وأغنية.
لهذا السبب قسّم سيداي جكرخوين دواوينه إلى ثلاثة أقسام: «ولاتباريزي، جفاكي، أفيني أي الوطنية، الاجتماعية، العشق». لأنه تعلّم من الخاني أن: وطنًا بلا عشق حدودٌ جافة، وعشقًا بلا تمرد نزوةٌ جافة.
كانت قصائده حكاية عامل الزراعة والفلاح الفقير. وعندما كان يدافع عن السلام ضد الحرب، كان يقول إن الرابح الحقيقي في الحرب هم الأغنياء. وكان يضيف: يجب أن يكون الاتحاد ليس ضد المستعمِر فقط، بل أيضًا ضد الآغوات والبكوات والملالي والشيوخ الذين يستخدمون الجهنم ترسًا والجنة سيفًا.
لهذا السبب كان شعر سيداي جكرخوين تمردًا وعصيانًا في آن واحد؛ ليس لأنه كردي فحسب، بل لأنه كادح وفقير ومنفي.
توفي في ستوكهولم في 22 تشرين الأول 1984، ونُقل جثمانه إلى القامشلي. فالبذرة التي خرجت من عامودا عادت إلى التراب نفسه.
وبعد اثنين وأربعين عامًا، عندما ننظر اليوم من عامودا إلى تلك المسيرة نفهم: أن العِرق الذي يوجّه الشعر ينبض على سندان كاوا، وفي قلم الخاني، وفي حقيبة منفى سيداي جكرخوين. ولم يكن في تلك الحقيبة خبز، بل كان فيها قاموس وديوان وبيان تنظيمي.
