اثنا عشر عاماً على بدء الحراك الشعبي المطالب بالتغيير السياسي في سوريا، الذي تحول من انتفاضة سلمية تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية إلى حرب طاحنة وأزمة متفاقمة، تستطيل تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، التي زادتها تعقيدا التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية.
ومنذ الأشهر الأولى لانطلاقها دخلت تركيا على خط الاحتجاجات، مستغلة تعرضها للقمع من قبل قوات الحكومة السورية، فسلحت المحتجين وحرّضتهم على المواجهة العسكرية، فاتحة الباب لظهور فصائل وتنظيمات متشددة، عملت من خلالها على أسلمة الحراك وحرفه عن مساره، بما يخدم أجنداتها التي تكشفت لاحقاً مع احتلال أجزاء واسعة من الأرض السورية.
وفي مقابل دعم سياسي ثم عسكري من قبل إيران وروسيا للحكومة السورية، أنشأت تركيا هياكل بالونية باسم المعارضة السورية، أسهمت مع مشغليها في تفاقم مأساة المدنيين وتشريد معظمهم بين لاجئين ونازحين، بعد تدمير مدنهم وبلداتهم واحتلال معظم مناطقهم وفق مسارات تفاوضية كانت وما تزال غرف عمليات لاقتسام أرضهم وتمرير مشارع وأهداف غير مرتبطة بمصالحهم، فعقدت جولات من اجتماعات أستانا وسوتشي وتفرعاتها، لم تجلب للسوريين سوى المزيد من المآسي والضياع.
تلك التحولات والمنعرجات تفاقمت تداعياتها الكارثية مع الاحتلال التركي لعفرين وجرابلس والباب والراعي ورأس العين سري كانيه وتل أبيض كري سبي، وتشريد عشرات الآلاف من سكانها ونهب أملاكهم وتوطين آخرين في مناطقهم، في إطار مخطط ممنهج لتغيير ديمغرافي يخدم سياسة تتريك تلك المناطق بهدف ضمها لاحقاً إلى تركيا.
إلى ذلك رفضت مكونات شمال وشرق سوريا الاستسلام لسيطرة الاحتلال التركي على ما تبقى من مناطقها، واختارت مساراً يعارض التدخلات الخارجية ويدعو للحوار السوري السوري ويرفض القمع والحرب الأهلية، فاتحدت قواها السياسية والمجتمعية، وأسسوا قوات عسكرية طردت فصائل وتنظيمات إرهابية من مناطقها، بالتزامن مع بنائها مؤسسات خدمية وصحية وتعليمية، رغم استمرار هجمات الاحتلال التركي وخطر التنظيمات الإرهابية.
ومع إصرار الأطراف والقوى الخارجية ومعها الحكومة السورية على عرقلة التوصل لتسوية سياسية تنهي الأزمة وفق القرارات الأممية، وتغير أجندات بعض الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها النظام التركي الذي كشف علناً أن أجنداته داخل تركيا وخارجها هي المحرك لممارساته وسياساته في سوريا، التي حوّل الآلاف من أبنائها لمرتزقة وأدوات تخدم أهدافه، فكانت الاستدارة الأخيرة نحو التطبيع مع الحكومة السورية.
استدارة لم تكن الوحيدة، وإنما بوابة للانفتاح على الحكومة السورية من قبل عدّة حكومات عربية، استغلت كارثة الزلزال المدمر أوائل شباط فبراير الماضي من زاوية تقديم المساعدات الإنسانية، مستفيدة من تخفيف العقوبات الأوروبية والأمريكية، ليبقى مصير ملايين النازحين واللاجئين وعشرات آلاف المعتقلين في سجون الحكومة السورية، رهن المصالح الدولية والصفقات السياسية.
