نشرت صحيفة الحياة اللندنية مقالاً للكاتب اللبناني “عبدالوهاب بدرخان” بعنوان “حكومة بغداد والأكراد: التفاوض أصعب المعارك”
قال الكاتب: أن واقعة الاستفتاء الكردي وانعكاساتها تستدعي تساؤلات عديدة: هل كان الاستقلال كحلم تاريخي طموحاً واقعياً منذ إقرار دستور 2005 الذي شارك الأكراد في صوغه؟ وهل أن ظروف الدعوة إلى الاستفتاء كانت مواتية إقليمياً ودولياً؟ وهل أقنعت التداعيات، بعد إجرائه، القيادة الكردية بأنها ارتكبت أخطاء ليست في مصلحة الإقليم وشعبه؟ وهل يمكن أي مفاوضات مع الحكومة المركزية أن تمكّن القيادة الكردية من معالجة تلك الأخطاء، أو تعيد الإقليم إلى ما كان عليه قبل خسارة سيطرته على «المناطق المتنازع عليها؟».
ويؤكد الكاتب بأن حلم استقلال كردستان لم يمت بتنحّي مسعود بارزاني، ولا حتى بـ “الخيانة العظمى” كما سمّاها بالإشارة إلى إقدام بيشمركة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني على تسليم كركوك إلى ميليشيا “الحشد الشعبي” التابعة لإيران، ولا بتقاطع مصالح الآخرين من أصدقاء وخصوم. لكن الحلم الذي بلغ مئة عام وأكثر تأجّل مجدّداً وقد يواصل الابتعاد إلى أجل غير معروف. فالدول الأربع المتضرّرة، تركيا وإيران والعراق وسوريا، ظنّت أن الترتيبات الدستورية العراقية وجدت حلّاً للمسألة الكردية، عبر فدرلة الإقليم بما تتضمّنه من حقوق واستقلالية، لكن الاستفتاء والاستعداد للانفصال أعادا المسألة إلى المربع الأول ودقّا ناقوس الخطر: فمنذ الآن يعود الأكراد خطراً على الأمن القومي في تلك الدول التي ستُسخّر في مواجهته كل مصالحها وعلاقاتها الخارجية وسياساتها الدفاعية.
ويضيف الكاتب، مع استعادة المناطق المتنازع عليها، وتضاؤل أوراق المساومة في أيدي القيادة الكرديّة، جاء تنحّي بارزاني واتهامه “الجميع” بخذلان الأكراد ليضعف أيضاً موقف التفاوض للإقليم. فلا “تجميد” نتائج الاستفتاء مقبول لدى بغداد حتى لو اضطرّها الضغط الأميركي إلى تجاوزه، ولا التفاوض سيكون على أساس ما كان بارزاني يطرحه للتخلّي عن الاستفتاء أو تأجيله. والأكيد أن صعوبات كثيرة استجدّت أمام المفاوض الكردي، وأبرزها أن بغداد تشترط سيطرة الدولة الاتحادية على أراضي العراق قبل الشروع في التفاوض، الذي يُتوقّع أن يبدأ من نقطة الصفر.
وطالما أنه سيُجرى على أساس الدستور فإنه قد يفتح نقاشاً جديداً على المصطلحات والمفاهيم: الدولة الاتحادية، الأقاليم الفيديرالية، تقرير المصير، الحدود، الحقوق، النفط، الدفاع، الأمن، السياسة الخارجية… وبناء على موازين القوى الحالية فإن الأكراد سيحاولون الحدّ من الخسائر في المكتسبات التي حقّقوها، ولا يمكن التوصّل إلى اتفاق إلا اذا وافقوا على أن يبقى الإقليم جزءاً في كنف الدولة الاتحادية. هذا منطقيٌّ دستورياً لكنه أقلّ من “حلمهم”، وإذا لم تتغيّر الظروف داخلياً وإقليمياً سيصعب عليهم تفعيل سعيهم إلى الاستقلال.
