إن هذه الرسالة ليست مجرد إجراء أمني، بل هي اعتراف ضمني من الدولة بعجزها عن معالجة المشكلات الاقتصادية والسكنية والتعليمية للمجتمع، ولجوئها إلى قوة احتياطية لضبطه وإدارته.
فالمشهد خلال تلك الأيام كان متطابقًا في كل مكان: متاريس في مدينة ميلانو الإيطالية، ومبنى محكمة يحترق في العاصمة الألبانية تيرانا، وخراطيم المياه المضغوطة تُستخدم ضد المتظاهرين في بروكسل، وانتفاضة ضد ارتفاع الإيجارات في لشبونة. شعار واحد بلغات مختلفة: هناك مال للحرب، ولا مال لصحة الشعب وسكنه وتعليمه.
كيف تطورت الأحداث؟
لم تظهر هذه الموجة في يوم واحد، بل تزامنت مع تراكم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي بلغت ذروتها مع الأزمة.
في فرنسا، بدأ كل شيء من المدرسة: ففي مطلع أيلول، قاطع الطلاب والمعلمون الدروس في ثانوية بمدينة كريتاي، احتجاجًا على نقص المعلمين، واكتظاظ الصفوف التي تضم خمسة وثلاثين طالبًا، وتهالك المبنى. وفي غضون شهر، أُغلقت مئات الثانويات من أصل آلاف، وانضم أولياء الأمور وطلاب الجامعات إلى الاحتجاجات.
وفي مطلع تشرين الأول، انضمت موجة ثانية إلى الأولى: فمع حرب إيران وأزمة مضيق هرمز، ارتفع سعر الديزل إلى أكثر من يوروين، ما دفع المزارعين والصيادين وعمال البناء إلى إيقاف محركاتهم. واضطرت الحكومة إلى بيع ملايين البراميل من النفط من الاحتياطي الاستراتيجي.
وفي السابع عشر من تشرين الأول، اندمجت الموجتان: طلاب الثانويات، والسترات الصفراء، والنقابات. وتقول وزارة الداخلية إن عدد المشاركين تجاوز نصف مليون، بينما تقول النقابات إنه قارب الثمانمائة ألف. وكانت المسيرات سلمية في النهار، ثم خرجت عن السيطرة في المساء؛ ففي ليموج أُضرمت النيران في مبنى البلدية العائد إلى القرن التاسع عشر وانهار سقفه، واحترق مكتب السياحة في ليون، ونُهبت متاجر في باريس، واقتُحمت بلدية مرسيليا. وبلغت الحصيلة الرسمية آلاف المعتقلين، ونحو ألف جريح في صفوف عناصر الأمن، وقتيل واحد. وتتجه الأنظار الآن إلى الإضراب العام المقرر في الخامس من تشرين الثاني.
إيطاليا وألبانيا: وجهان مختلفان للغضب نفسه
في إيطاليا، اندمجت احتجاجات غلاء المعيشة مع المظاهرات المناهضة للحرب في ميلانو وتورينو وبولونيا. وفي ميلانو رُشقت الشرطة بالحجارة والألعاب النارية، واعتُقل العشرات، معظمهم من القاصرين. وتقول رئيسة الوزراء ميلوني: «لا تحرقوا المدن»، لكن حتى رئيس بلدية ميلانو اضطر إلى الإقرار بأن سبب الاحتجاج مفهوم.
أما في ألبانيا، فتيرانا واقفة على قدميها منذ أيام؛ فالرسوم الجامعية المرتفعة، وسوء أحوال السكن الطلابي، وانعدام فرص العمل بعد التخرج، وفوق ذلك كله اتهامات بالفساد، كلها أشعلت الغضب. وقد أحرق الطلاب مبنى المحكمة العليا، واستخدمت الشرطة الرصاص المطاطي، ورُفعت دعاوى ضد مئات الأشخاص. ويقول إيدي راما، الذي يحكم منذ ثلاثة عشر عامًا، إنهم يعرضون مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي للخطر، لكن الطلاب لا يغادرون الساحات.
إن التخفيضات في قطاع التعليم في بلجيكا، وتضاعف أسعار المنازل في البرتغال خلال السنوات الأخيرة، جزء من الموجة نفسها.
ما هي الأسباب؟ ولماذا الشارع على حق؟
من التبسيط المخل اختزال ما يجري في الشارع بعبارة «يوجد غلاء». فهناك كماشة ثلاثية الأضلاع، وكل أضلاعها نابعة من النظام الحربي العالمي.
الرقم القياسي العالمي للتسلح:
أعلن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام في نيسان أن الإنفاق العسكري العالمي حطم رقمًا قياسيًا في العام الماضي، إذ بلغ نحو ثلاثة تريليونات دولار، وهو يواصل الارتفاع بلا انقطاع منذ أحد عشر عامًا.
ويقع مركز هذه الزيادة في أوروبا، إذ تجاوز الإنفاق ثمانمائة مليار دولار، بزيادة تفوق أربعة عشر بالمئة في عام واحد، وهي أسرع زيادة منذ عام ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين. فقد زادت ألمانيا إنفاقها بمقدار الربع لتتجاوز مئة مليار دولار، وأنفقت فرنسا عشرات المليارات من الدولارات، وزادت إسبانيا إنفاقها بنسبة خمسين بالمئة. بينما تجاوزت الولايات المتحدة تريليون دولار هذا العام، وتهدف إلى تريليون ونصف تريليون في العام المقبل.
وهكذا يُوجَّه اثنان ونصف بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي مباشرة إلى السلاح، وهي النسبة الأعلى منذ عام ألفين وتسعة، وهو العام نفسه الذي تعمقت فيه السياسة المالية للنظام على المستوى العالمي.
ميزانية الحرب تلتهم الميزانية الاجتماعية:
هذا المال لا يهبط من السماء؛ فمن أجل تلبية شرط حلف شمال الأطلسي بإنفاق ثلاثة ونصف بالمئة، تُغيّر الدول دساتيرها وتستدين. ثم لتغطية فاتورة هذا الدين، تقتطع أول ما تقتطع من التعليم والصحة.
ولهذا السبب تحديدًا يهتف الطلاب في فرنسا: «لا يوجد معلم، بل توجد قوات مكافحة الشغب». فخيار الدولة واضح، وهو نتيجة سياسة تُقلّص الدولة الاجتماعية وتُضخّم دولة الحرب.
الشعب هو من يدفع فاتورة الحرب:
لماذا الديزل غالٍ؟ لأن هناك حربًا. ولماذا السوق غالٍ؟ لأن الطاقة غالية. ولماذا يتعذر شراء منزل؟ لأن السكن لم يعد حقًا، بل تحول إلى أداة استثمارية. والجيل الشاب يدرك ذلك؛ فالحقوق لم تعد ضمانة دستورية، بل أصبحت مِنّة من الحكومة.
الخاتمة: هل ستحل الدولة الأزمة أم أنها هي الأزمة نفسها؟
لأن المشكلة ليست في أن الدولة تطبق سياسة خاطئة، بل في أنها لم تعد جهازًا يحل مشكلات المجتمع.
إن استدعاء احتياط شرطة باريس دليل على ذلك؛ فلا يوجد حل اجتماعي للمشكلة الاجتماعية، بل يوجد حل أمني فقط.
ماذا يريد المحتج؟ إنه لا يريد برنامج حكومة، بل يريد حق الحياة: أن يستطيع أن يدرس، وأن يسكن، وأن يعيش.
لماذا لا تستطيع الدولة أن تحل؟
لأن الحروب الجارية على المستوى العالمي، وسباق التسلح، والسياسات الأمنية، هي بذاتها مصدر عدم الاستقرار. فالشعب لا ينتظر أن يحقق الاستقرار فاعلٌ يخلق عدم الاستقرار. وعندما يفيض غضب الشعب إلى الشارع ضد سياسة دولة لا تستجيب لمشكلاته الصحية والسكنية والتعليمية وأبسط مقومات الحياة، تتقمص الدولة بنية أمنية.
فما دامت إملاءات الحلف مستمرة، لا تستطيع أي حكومة أن تقول: سأوجه المال إلى التعليم. وما دامت الحرب مستمرة في هرمز، لن ينخفض سعر الوقود. وما دام السكن قد أصبح ملكًا للصناديق العالمية، لن ينخفض الإيجار.
أي أن الدولة ليست في مواجهة الأزمة، بل هي طرف فيها. وبما أنها طرف في الأزمة، فهي عاجزة عن حلها. ولكي تحلها، عليها أولًا أن تتخلى عن سياسة الحرب، لكنها لا تستطيع التخلي عنها لأنها بَنَتْ وجودها عليها.
ولهذا السبب لن تنتهي هذه الاحتجاجات؛ لا تنتهي باستدعاء احتياط الشرطة، ولا باجتماعات النظام العام، ولا بحماية المحاكم. فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تلف أوروبا تعطي إشارات بأنها ستعود أكثر ازدحامًا وأشد غضبًا.
فالسؤال لم يعد الآن: كيف ستحل الدولة هذه الأزمة؟ بل أصبح: عندما أظهرت هذه الأزمة أن الدولة بهذا الشكل عاجزة عن الحل، كيف سيبني المجتمع حله بنفسه؟
