5
لم ترسم اتفاقية سايكس بيكو جميع حدود الشرق الأوسط بصورتها الحالية، كما يتكرر في الخطاب السياسي لكنها وضعت في 16 أيار 1916 أساس تقاسم المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا بعد انهيار الدولة العثمانية.
قسمت الاتفاقية المنطقة إلى مساحات نفوذ مباشرة وغير مباشرة واقترحت إدارة دولية لفلسطين ثم جاءت ترتيبات مؤتمر سان ريمو عام 1920 ونظام الانتداب ومعاهدة لوزان عام 1923 لتثبيت النظام الإقليمي الجديد.
مر قرن على تلك الترتيبات وبقيت الحدود الدولية ثابتة إلى حد كبير لكن السلطة داخلها تغيرت إذ أن دول المنطقة ما زالت تحتفظ بأسمائها وأعلامها ومقاعدها في الأمم المتحدة في مقابل تراجع سيطرة بعض الحكومات على الأرض والسلاح والموارد والمعابر. هذا التحول نقل النقاش من تقسيم الدول إلى إعادة توزيع السلطة داخل الدولة الواحدة. عام 2014، نشر داعش مشاهد لإزالة الساتر الحدودي بين العراق وسوريا تحت شعار “كسر حدود سايكس بيكو”، لاحقا خسر داعش المناطق التي سيطر عليها، غير أن الحدود ذاتها بقيت مخترقة أمام المجموعات والقوات الأجنبية وشبكات التهريب والعلاقات العشائرية والاقتصادية العابرة لها.
الفكرة الجديدة لا تقوم بالضرورة على إعلان دول مستقلة. الصيغة الأكثر تداولاً هي بقاء الدولة بحدودها المعروفة مع منح الأقاليم أو المحافظات سلطات تشريعية وتنفيذية ومالية وأمنية واسعة. هنا تظهر الفدرلة بوصفها بديلاً عن الدولة المركزية القديمة، أو وسيلة قانونية لتنظيم واقع منقسم أصلاً.
العراق.. الفدرلة داخل الدستور
العراق يمثل النموذج الاتحادي الرسمي الأوضح في المنطقة العربية. دستور عام 2005 نص على أن النظام الاتحادي يتكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية، واعترف بإقليم كردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً. الدستور لم يحصر حق تكوين الأقاليم بباشور كردستان. المادة 119 أجازت لمحافظة واحدة أو أكثر تأسيس إقليم بعد طلب يقدمه ثلث أعضاء مجالس المحافظات المعنية أو عُشر الناخبين فيها، ثم عرضه على الاستفتاء. ويحق للإقليم وضع دستور خاص به وممارسة سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، إضافة إلى تشكيل قوات أمن داخلي، باستثناء الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية.
هذا يعني أن انتقال العراق إلى أقاليم إضافية لا يحتاج إلى تغيير طبيعة الدولة أو كتابة دستور جديد، لأن الأساس القانوني موجود منذ عام 2005. العائق سياسي واجتماعي واقتصادي، ويرتبط بالخلاف حول النفط والمنافذ والموازنة والحدود الداخلية وتوزيع الثروة.
طرحت خلال السنوات الماضية مشاريع لتحويل البصرة أو محافظات غربية إلى أقاليم، مدفوعة بشعور محلي بأن المركز يستحوذ على الموارد ولا يعيد توزيعها بعدالة. ومع ضعف الحكومة الاتحادية أو تصاعد الخلافات المذهبية والمناطقية، قد تتحول هذه المطالب من شعارات سياسية إلى مشاريع فعلية.
إقليم كردستان قدم نموذجاً لسلطة تمتلك حكومة وبرلماناً وأجهزة أمنية وعلاقات خارجية ومصادر مالية. الخلافات المستمرة بين بغداد وهولير أثبتت أن الاعتراف الدستوري بالفدرالية لا يكفي وحده، فنجاحها يحتاج إلى قواعد واضحة بشأن النفط والإيرادات والرواتب والصلاحيات والسيادة على المعابر.
سوريا.. فدرلة قائمة من دون اسم
الحرب السورية أنتجت خلال أكثر من عقد إدارات محلية ومناطق نفوذ وقوات عسكرية وموارد اقتصادية منفصلة. ظهرت في شمال وشرقي البلاد إدارة تمتلك مؤسسات مدنية وأمنية، وتشكلت في مناطق أخرى مجالس محلية ارتبطت بقوى سياسية وعسكرية مختلفة.
هذه الوقائع تجعل العودة إلى نظام مركزي شديد الصلابة أمراً معقداً. أي تسوية سورية ستضطر إلى معالجة شكل الحكم المحلي وتوزيع الموارد وحقوق الشعوب الكردية والعربية وبقية الشعوب.
الأمم المتحدة تعاملت منذ سنوات مع مسار دستوري يفترض إنتاج عقد سياسي جديد يحافظ على وحدة سوريا وسيادتها. غير أن الحفاظ على وحدة الأرض لا يعني بالضرورة عودة جميع السلطات إلى دمشق. قد تبقى سوريا دولة واحدة مع صلاحيات محلية واسعة، تحت مسميات مثل اللامركزية الإدارية أو الإدارة الذاتية، تجنباً لحساسية مصطلح الفدرالية.
اليمن.. مشروع الأقاليم سبق الحرب
الفدرلة في اليمن ليست فكرة طارئة أنتجتها الحرب الحالية. مؤتمر الحوار الوطني الذي بدأ في آذار 2013 بمشاركة 565 مندوباً انتهى في كانون الثاني 2014 إلى تبني الانتقال نحو دولة اتحادية. وحددت لجنة خاصة لاحقاً ستة أقاليم، أربعة في الشمال واثنين في الجنوب.
المشروع تعثر بسبب الخلاف على حدود الأقاليم وتوزيع الموارد والوصول إلى البحر وموقع صنعاء وعدن. اعترض الحوثيون على الصيغة المقترحة، كما رفضتها قوى جنوبية رأت أنها لا تعالج قضية الجنوب. بعد ذلك دخل اليمن حرباً كرست سلطات مختلفة في صنعاء وعدن ومناطق أخرى.
لهذا قد تعود الفدرالية إلى أي مفاوضات يمنية مقبلة. لكن؛ بصيغة مختلفة عن مشروع الأقاليم الستة. العقبة الأساسية تتمثل في تحويل خطوط القتال الحالية إلى حدود سياسية دائمة؛ لأن الفدرلة الناتجة عن موازين السلاح تختلف عن الفدرلة القائمة على اتفاق وطني.
ليبيا.. سلطتان ومؤسسات متوازية
ليبيا تحمل ملامح فدرلة واقعية من دون إعلان دستوري. توجد مراكز سلطة منفصلة في الشرق والغرب، ومؤسسات تنفيذية وعسكرية متوازية، مع نفوذ واسع للتشكيلات المسلحة وسيطرة متباينة على الموارد والموانئ والمناطق.
تقارير الأمم المتحدة تشير إلى وجود مركزين رئيسيين للسلطة، أحدهما في الغرب والآخر في الشرق والجنوب، إلى جانب مؤسسات اقتصادية وأمنية متوازية وصعوبة توحيد الدولة. كما أصبحت المجالس البلدية المنتخبة من المؤسسات القليلة التي تملك شرعية محلية مباشرة.
الثروة النفطية تزيد تعقيد الملف. مناطق الإنتاج والموانئ تقع خارج نطاق السيطرة الكاملة لحكومة واحدة، ولهذا يرتبط شكل الدولة المقبلة بطريقة توزيع الإيرادات بين طرابلس وبرقة وفزان. أي نظام اتحادي ليبي سيواجه سؤالاً حاسماً: من يسيطر على النفط ومن يوزع عائداته؟
لبنان.. لامركزية تخشى اسم الفدرالية
اتفاق الطائف عام 1989 أكد أن لبنان دولة واحدة ذات سلطة مركزية قوية، ونص في الوقت نفسه على اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة وانتخاب مجالس محلية وتعزيز موارد البلديات. هذه البنود بقي تنفيذها محدوداً، وعاد النقاش بشأنها مع كل أزمة سياسية أو مالية.
خصوصية لبنان تجعل طرح الفدرالية شديد الحساسية؛ لأن توزيع السلطات جغرافياً قد يتحول إلى تقسيم طائفي. لذلك؛ تستخدم القوى المؤيدة لتوسيع صلاحيات المناطق مصطلح “اللامركزية”، في حين يرى خصومها أن بعض المشاريع تتجاوز الإدارة المحلية نحو إنشاء كيانات طائفية تملك اقتصادها وخدماتها وأمنها.
الفدرلة ليست شكلاً واحداً بل تتمثل بثلاثة مسارات
الأول هو الفدرالية الدستورية، حيث تتفق المكونات على توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم ضمن دولة واحدة، كما هو الحال قانونياً في العراق.
الثاني هو اللامركزية الإدارية، التي تمنح المحافظات صلاحيات خدمية ومالية من دون برلمانات أو دساتير أو قوات خاصة بها.
الثالث هو فدرلة الأمر الواقع، حيث تسيطر قوى محلية على مناطق محددة وتدير أمنها ومواردها وعلاقاتها الخارجية، ثم تسعى لاحقاً إلى تحويل نفوذها العسكري إلى اعتراف دستوري.
المسار الثالث هو الأخطر في الشرق الأوسط، لأنه يبدأ من السلاح قبل القانون. القوى المحلية ترسم مناطق سيطرتها خلال الحرب، ثم تدخل المفاوضات مطالبة بتثبيت مكاسبها داخل دستور الدولة الجديدة.
من يدفع نحو الفدرلة؟
ضعف الدولة المركزية ليس العامل الوحيد. النفط والغاز والموانئ والمياه والمنافذ الحدودية تلعب دوراً أساسياً. المناطق الغنية بالموارد تطالب بحصة أكبر من إيراداتها، والمناطق المحرومة تبحث عن صلاحيات تمكّنها من إدارة شؤونها بعيداً عن العاصمة.
التنوع القومي والمذهبي يوفر دافعاً إضافياً، خصوصاً لدى الجماعات التي تخشى هيمنة الأغلبية أو عودة الحكم المركزي الصارم. التدخل الخارجي يؤدي دوراً موازياً، إذ تدعم دول إقليمية ودولية قوى محلية وتمنحها المال والسلاح والغطاء السياسي، ما يضعف قدرة الحكومات على استعادة قرارها.
هل انتهت سايكس بيكو؟
سايكس بيكو لم تنته جغرافياً، فالحدود التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى ما زالت معترفاً بها دولياً. الذي يتآكل هو نموذج الدولة المركزية التي تدير كامل أراضيها من عاصمة واحدة.
الخريطة المقبلة قد لا تحمل دولاً جديدة، لكنها قد تضم دولاً بأسماء قديمة وسلطات متعددة: حكومة اتحادية في العاصمة، أقاليم تسيطر على مواردها، إدارات محلية تمتلك قواتها، ومناطق ترتبط بالخارج أكثر من ارتباطها بالمركز.
الفدرلة يمكن أن تحمي وحدة الدول إذا جاءت باتفاق وطني وحددت بوضوح إدارة الثروة والسلاح والصلاحيات. أما فرضها بعد الحروب، فسيمنح مناطق النفوذ غطاءً دستورياً ويجعل التقسيم قائماً من دون حدود دولية جديدة.
المعركة المقبلة لن تكون على خطوط سايكس بيكو وحدها، إنما على شكل السلطة داخل تلك الخطوط. دولة مركزية تستعيد نفوذها، دولة اتحادية تعيد توزيع الحكم، أو خريطة نفوذ تحتفظ باسم الدولة وتفقد مضمونها.
المصدر: صحيفة روناهي الكاتب : محمد الجبوري
