انتخابات الرئاسة السورية.. ماذا بقي من معنى لرحيل الأسد أو استمراره؟

من المتوقّع أن تنظّم في سوريا، خلال شهر أبريل القادم، انتخابات رئاسية دار جدل حاد حول شرعيتها والمشاركة فيها، وأعلنت دول عظمى وهيئات معارضة سورية مختلفة، عدم اعترافها بنتائجها. بينما هاجم الروس على لسان نائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين، مطلع هذا العام، الدعوات لعدم الاعتراف بها معتبراً أن هذا “يعني عملياً حرمان السوريين من حق انتخاب قيادتهم”.

أما الرئيس السوري بشار الأسد، والذي كان مفتي جمهوريته أحمد حسّون قد صرّح لمجلة “دير شبيغل” الألمانية في العام 2011 أنه وبعد أن ينهي سلسلة إصلاحاته، سوف ينسحب من المشهد السياسي كلّه ويكتفي بفتح عيادته في دمشق، فيبدو مصرّاً على تنظيم تلك الانتخابات والاستعداد لها وخوضها.

ولعل التبني الرسمي لخبر إصابته وزوجته بفايروس كورونا، مؤخراً، يأتي في سياق حصد التعاطف من أجل حملته الانتخابية، إذ عادة ما تكون أخبار صحة الرئيس السوري سريّة ومحظورة كما كان الحال أيام أبيه.

لكن وضع بشار الأسد يختلف عن وضع أبيه اختلافاً جوهرياً. الأسد الأب قدِم إلى السلطة من بوابتين كبيرتين كانتا في زمنهما قادرتين على تأمين ما كان يطيب له أن يسميها “الشرعية الثورية”، بوابة حزب البعث العربي الاشتراكي، وبوابة الجيش.

وكان الانقلاب الذي جرى في مثل هذه الأيام من شهر مارس عام 1963 هو المسار الذي أفضى إلى تلك “الشرعية الثورية” التي بقي الأسد الأب يحدّث ضيوفه الأجانب والعرب عنها في جميع مراحل حكمه، وهي ذاتها أيضاً التي ستُطالب ابنه بشار منذ العام 2011 بالتنحي عن الحكم، بعد اتهامات محلية ودولية قالت إنه “فقد شرعيته” التي لطالما كانت صُداعَه المزمن؛ شرعية تكون الانتخابات في الغالب مصدرها الأوحد في الجمهورية الطبيعية.

في سوريا الوضع مختلف. منذ البداية لم يكن زعماء البعث وقادة الجيش السوري مقتنعين بأحقية الحزب بالانقضاض على السلطة، باستثناء مؤسس البعث ميشيل عفلق الذي أدرك أنه لا يمكن تغيير الأوضاع في دمشق، دون أن يقع تغيير كبير في مركز الثقل العربي الرئيسي الآخر في المشرق، عنيتُ بغداد. فعمل على التخطيط للوصول إلى الحكم مع تلميذه الراحل علي صالح السعدي، أمين سر قطر العراق وقتها، دون أن يُطلع قيادة البعث السورية على ما يجري في البلد الجار. السعدي ذاته الذي قاد ثورة البعث الأولى في فبراير 1963 سيقول لاحقاً “جئنا بقطار أميركي”.

حدث ما أراده عفلق، واستولى البعث بعد شهر واحد على السلطة في دمشق، وتوالدت في سوريا سلسلة من الشرعيات، واحدة تأكل سابقتها، حتى وصل الحكم إلى الأسد الأب الذي أصرّ على تعزيز شرعيته بتصحيحات وانتخابات واستفتاءات استمرّت حتى لحظة وفاته في العام 2000، حين عاد القطار الأميركي مجدّداً ليمرّ من دمشق، عبر زيارة “الواجب” التي قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت، خلال جنازة حافظ الأسد.

لا ينتمي بشار الأسد في الواقع لا إلى المؤسسة العسكرية، فقد انخرط فيها بعد مقتل أخيه الأكبر باسل، ولا إلى الهيكل الفكري أو التنظيمي لحزب البعث، ولم يفلح دهاء والده في العثور على فتوى سياسية تجعل من ابنه وريثاً شرعياً للحكم في بلد جمهوري. وبقيت تلك المعضلة عصيّة عليه، قبل أن يقرّر ترك عناء حلّها لغيره من بعده.

ترفيع بشار الأسد من رتبة عقيد إلى رتبة فريق، ومن ثم تعيينه قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة، وترقيته ليصبح أميناً قطرياً لحزب البعث، وتعديل الدستور ليتواءم مع عمره آنذاك، كل تلك الإجراءات كانت محاولات لتعويض الثغرة التي سيبقى الأسد يبحث عن رتقها، منذ تلك اللحظة، وصولاً إلى الانتخابات المزمع إجراؤها قريباً.

وحدها أولبرايت نجحت. أشارت، بعد اجتماعها القصير مع بشار الأشد في جنازة والده، إلى أنها لمست بوادر مشجّعة جدا إزاء رغبة الأسد الابن في إتباع نهج والده. وقالت “يبدو أن بشار مستعدٌّ لإتمام واجبه”. ومما قالته حينها إنه “من الضروري أن تكون سوريا جزءاً من حلٍّ إقليمي في الشرق الأوسط نبحث عنه جميعا. طريق تحقّق فيه المنطقة كلها الرخاء وتكون إسرائيل جزءا لا يتجزأ منه”. فهل ما زالت كلماتها صالحة لدعم حملة الأسد الانتخابية القادمة؟

لم ينس الأسد تلك الشيفرة التي حدّدتها أولبرايت. لكنْ بالمقلوب، فطالما أن بلاده، كما يفهم الأميركيون، جزءٌ من الحلّ في الشرق الأوسط، إذاً فسبيل البقاء الوحيد هو فعل العكس، وإخراج سوريا من التأثير الاستراتيجي على مستقبل المنطقة، وتعهيدها إلى لاعبين أوضاعهم الداخلية مستقرة، عندها لن يكون هناك أي مشكلة في من يحكم دمشق. هذا هو الدور المطلوب إذاً، ولم يتبق عليه سوى “إتمام واجبه”.

أول عشر سنين من حكمه اتسمت بتخريب تدريجي متعمّد لما تبقى من الإمكانات الاقتصادية لسوريا التي عُرفتْ بـ”ألمانيا الشرق” نتيجة قدراتها الصناعية والزراعية، تلتها عشرُ سنين من الحرب والتدمير المنهجي للمدن والأرياف السورية، وتهجير للملايين وخلخلة المجتمع، وما يزال الأسد يراهن على تلك المعادلة، ولا وزنَ عنده لأي معارضة أو مفاوضات أو لجان دستورية أو قرارات أممية حول الانتقال السياسي وتشكيل هيئة حكم، ما دام القطار الأميركي مرحّباً، بشكل مباشر أو غير مباشر.

من المرجّح أن شطراً من السوريين لم يعد يكترث كثيراً إن رحل الأسد أو بقي، فما قيمة رحيله بعد أن رحل المطالبون بذلك عن سوريا واستقروا في المنافي وبلاد اللجوء؟ وما جدوى رحيل الأسد بعد رحيل سوريا ذاتها التي كانوا يعرفونها واختفائها عن الوجود؟

يتوجب أن يكون السؤال هكذا؛ بل ما قيمة بقاء الأسد بعد هذا كلّه؟ بعد تفكيكه للجيش السوري بالحرب التي أمره بشنها ضد المدنيين، وبعد استعانته بالروس والإيرانيين، وبعد تقزيمه لحجم حزب البعث وتحويله إلى فصيل عقائدي من فصائل الولي الفقيه، وبعد إقامة جدار من الدم يطوّق طائفته العلوية ويعزلها عن مجتمعها السوري، وأخيراً وهو الأهم، بعد إفقاده لسوريا أهميتها ودورها في اللعبة الإقليمية والعالم العربي؟

كانت لحافظ الأسد تعبيرات متهكّمة يبسّط بها المشكلات التي تواجهه، كما حين علّق مرّة على شكوى رفيقه البعثي منصور الأطرش ابن سلطان باشا قائد الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، من تجاهل رفاقه البعثيين له، ومن عدم منحه المكانة اللائقة به في سوريا حافظ الأسد الذي قال وقتها “من أين نأتي لمنصور بفرنسيين يحاربهم كما حاربهم والده في الماضي”؟

واليوم، ومع فارق الشبه، من أين يأتي العالم لبشار الأسد بسوريا يحكمها كتلك التي حكمها والده، فضلاً عن فتح عيادته فيها ذات يوم؟

الكاتب: إبراهيم الجبين

المصدر: العرب 

قد يعجبك ايضا