في خطوة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة، أصدر مصرف سوريا المركزي في 22 أيلول/سبتمبر 2025 توجيهات ملزمة للبنوك التجارية السورية، تُلزمها بالاعتراف الكامل بخسائرها المالية الناتجة عن الانهيار الاقتصادي في لبنان.
ويأتي هذا الإجراء في إطار خطة وطنية تهدف إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي السوري، الذي يعاني من أزمات متراكمة منذ أكثر من عقد من الزمن، بسبب الحرب والعقوبات الأممية والوضع السياسي في البلاد.
خلال سنوات الحرب الأهلية السورية، لجأت العديد من المصارف السورية إلى إيداع أموالها في النظام المالي اللبناني، الذي كان يُعدّ ملاذًا آمنًا في ظل عزلة البلاد المالية وفرض العقوبات الغربية.
إلا أن انهيار النظام المصرفي اللبناني في عام 2019 تسبب في تجميد هذه الأموال، مما أدى إلى أزمة سيولة خانقة في سوريا أثرت بشكل مباشر على قدرة البنوك على دعم الاقتصاد الوطني، حيث بلغت قيمة الانكشاف المالي للبنوك السورية على النظام المصرفي اللبناني أكثر من 1.6 مليار دولار، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز.
محافظ مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، أكد أن “العد التنازلي بدأ”، وأن البنوك مُجبرة على تقديم خطط موثوقة لإعادة الهيكلة خلال ستة أشهر، موضحًا أن الحكومة تسمح للبنوك بالبحث عن حلول متنوعة، من بينها شراكات مع مؤسسات مالية عربية أو دولية، واستقطاب مستثمرين جدد، وحتى عمليات استحواذ أجنبية.
في المقابل، قال بعض المصرفيين السوريين إن مهلة الستة أشهر قصيرة وغير كافية، رغم إقرارهم بضرورة هذه الخطوة لتنظيف القطاع، معربين عن أملهم في مواجهة المشكلة بدلًا من التنكر لها لاحقًا.
وتشمل البنوك الأكثر تضررًا: بنك الشرق، وفرنسبنك، وبنك سوريا والمهجر، وبنك بيمو السعودي-الفرنسي، وبنك شهبا، وبنك أهلي ترست، وجميعها بنوك لبنانية الأصل افتتحت فروعًا لها في سوريا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
ويرى عدد من الاقتصاديين أن المهلة الزمنية الممنوحة لإعادة الهيكلة غير واقعية، بسبب تعقيد الأزمة وضرورة التفاوض مع السلطات اللبنانية، إضافة إلى الحاجة لتحديث حوكمة البنوك بما يتوافق مع المعايير الدولية.
كما حذروا من أن استعادة الأموال المجمدة في لبنان ستواجه عقبات كبيرة، بسبب الضعف المالي والتشريعات غير الشفافة في النظام المصرفي اللبناني، مما يثير علامات استفهام حول حجم الأموال التي يمكن استردادها فعليًا.
ويتساءل السوريون: هل ستتمكن سوريا من تجاوز هذه الأزمة المصرفية المعقدة، وسط بيئة اقتصادية وسياسية هشة ومتدهورة من جميع النواحي؟ أم أن الخسائر المالية المتراكمة ستقود إلى مزيد من التدهور في المستقبل القريب، نظرًا لأن الوضع الاقتصادي في سوريا مرهون بمستجدات الواقع السياسي؟
