تنطلق الجولة الخامسة من اللقاءات والمفاوضات اللبنانية برعاية أميركية في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 22 حزيران/يونيو الجاري، إذ تمهّد هذه الجولة لبحث تفاصيل وقف إطلاق النار الدائم، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وملف إعادة الإعمار.
هي جولة من جولات تفاوضية مباشرة خاضتها الدولة اللبنانية بعد الثاني من آذار الماضي، التاريخ الذي أطلق فيه حزب الله صواريخه الستة على شمال فلسطين المحتلة، الأمر الذي أدخل لبنان حربًا مع الإسرائيلي لم تزل قائمة إلى اليوم رغم تخفيض وتيرتها. إذ قررت الدولة اللبنانية، بالاتفاق التام بين الرئاسة الأولى والثالثة، السير في هذه المفاوضات برعاية أميركية للتوصل إلى تسوية من الممكن أن تكون نهائية لوضع حدّ لهذه الحرب التي أدّت حتى الآن، بحسب وزارة الصحة، إلى أكثر من 15 ألف بين قتيل وجريح، إضافة إلى مسح كامل لبعض المناطق.
في خضمّ الرفض الإسرائيلي لمقترحات اتفاق إيران–أميركا، وتأكيدات مسؤوليها عدم الانسحاب من الأراضي التي احتلتها على اعتبار أنّ تلك الاتفاقية شملت وقفًا لإطلاق النار وليس انسحابًا إسرائيليًا، ورغم الإصرار الأميركي على المضيّ قدمًا بما تمّ التوصل إليه مع إيران، يبقى السؤال: هل من جدوى لاستمرار الدولة اللبنانية في مفاوضاتها مع الجانب الإسرائيلي طالما أنّ الملف اللبناني شكّل حيزًا مهمًا لدى القيادة الإيرانية لإبرام الاتفاق؟
لا نقاش حول تعرّض رئيس الجمهورية، جوزاف عون، والحكومة برئاسة نواف سلام، لضغوط من أجل التراجع عن التفاوض، على اعتبار أن الاتفاق الأميركي–الإيراني قد يجلب وقف إطلاق النار للبنان. إذ يتوقف المصدر عند رسالة الشكر التي وجّهها الشيخ نعيم قاسم، أمين عام حزب الله، إلى رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد قاليباف، والتي تندرج في إطار هذه الضغوط، وإن الإعلام الموالي للمحور يعمل على تصوير ما تمّ الاتفاق عليه بأنه إنجاز يُسجَّل لإيران التي فرضت معادلاتها في المنطقة، حيث أكّد مقرّ خاتم الأنبياء في بيان له أنّ استمرار إسرائيل في اعتداءاتها على لبنان قد يدفع بقواته إلى ردّ ساحق.
أثار الدور الإيراني بعد اتفاق وقف النار انقسامًا في الداخل اللبناني، بين مطالب بوقف التفاوض المباشر، وصلت بالبعض إلى حدّ طلب تقديم الاعتذار من قبل الدولة إلى الجمهورية الإسلامية في إيران للمواقف العالية التي صدرت عنها، تحديدًا في تحميلها مسؤولية التدخل في لبنان. بينما شكّك فريق معارض للدور الإيراني في قدرة الاتفاقية على دفع القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها، على اعتبار أن إسرائيل لم تدخل لبنان لتنسحب، بل من أجل فرض واقع اتفاقي جديد يحمي مستوطناتها الشمالية، وهذا ما يتجلّى بربط انسحابها بحصر سلاح حزب الله، أو على الأقل بإخراجه نهائيًا من منطقة جنوب الليطاني.
لا نقاش في أن الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بالرئيس جوزاف عون يوم الاثنين 15 يونيو/حزيران، كسر حاجز القطيعة بين القصر الجمهوري والجمهورية الإسلامية، وهذا ما يمكن البناء عليه. إذ بات من الواضح أن الدولة اللبنانية لن تتراجع عن مسارها التفاوضي لاعتبارات تتعلق بمصداقية الدولة، إذ إن وقف التفاوض سيعزّز من فرضية جعل لبنان ورقة تفاوضية في يد إيران، على اعتبار أن مكاسب لبنان حصل عليها من الاتفاق الأميركي–الإيراني، وهذا من المستحيلات.
تدرك الدولة في لبنان أن الحكومة الإسرائيلية لن تلتزم بما يطالبها به الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إذ مهما بلغت حدّة التخاطب بين ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، فإنّ أمن إسرائيل سيبقى الخط الأحمر لأميركا. وهذا إن دلّ على شيء، فعلى أن الانسحاب الإسرائيلي لم يأتِ بطلب إيراني، بل بتفاوض لبناني–إسرائيلي على قاعدة تسوية شاملة تفضي إلى سلام، وحتمًا ليس إلى تطبيع. لهذا تجد الدولة أن التفاوض مع العدو لا يتوقف عند الأرض، ولكن هناك مطالب إضافية لم يلحظها الاتفاق الإيراني–الأميركي، كمسألة إطلاق الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية، ومسألة إعادة الإعمار، وإعادة تسليح الجيش وانتشاره بدعم من قوة دولية بعد انتهاء ولاية قوات اليونيفيل نهاية هذا العام.
تدرك الدولة اللبنانية أن الأمر لا يرتبط بوقف الحرب ولا بالانسحاب فقط، بل هناك استحقاقات تنتظر الدولة اللبنانية لا تقلّ وزنًا عن المواضيع التي تمسّكت بها إيران لإعلان تسويتها. وهي على يقين أن هذه المسائل لن تستطيع إيران فرضها على واشنطن. لهذا ستستمر الدولة في مفاوضاتها متّكئة على عمقها العربي، وتحديدًا على صديق رفعت له شوارع لبنان “يافطات” شكر على جهوده وحضوره ودعمه غير المشروط للبنان، وهي دولة قطر الشقيقة.
يتكشف يومًا بعد يوم دور قطر في التوصل إلى الاتفاق الأميركي–الإيراني لوقف الحرب، كذلك سيكون هذا الدور سندًا للبنان في مفاوضاته مع إسرائيل من خلال الوقوف إلى جانبه في مطالبه المحقّة من العدو الإسرائيلي. هذا ما سيعزّز الحضور اللبناني في المفاوضات، مستغلًا حاجة واشنطن إلى تهدئة الجبهة الجنوبية في لبنان التي ستشكّل الضامن لأمن حليفتها إسرائيل في الوقت نفسه.
المصدر : العرب اللندنية الكاتب : د. جيرار ديب

