في مشهدٍ لن ينساه السوريون على مدار سنين، أتت ليلة 8 من ديسمبر/كانون الأول، لتطوي صفحة نظام الأب والابن الأسد، الذي هيمن على سوريا لعقودٍ. فبعد أعوامٍ من القمع، والتدخلات الدولية، والانهيار الاقتصادي والسياسي، انهار النظام فجأة، ومعه تبخرت قادته من المشهد السوري.
بحسب ما كشفه تحقيقٌ استقصائيٌّ مطوّل لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فقد شكّلت الساعات الأولى من يوم 8 ديسمبر لحظةً فارقةً في التاريخ السوري الحديث. في جنح الظلام، اجتمع عددٌ من كبار مسؤولي النظام في القسم العسكري لمطار دمشق الدولي، يحملون حقائبهم القليلة وأوراقهم المزوّرة، ليستقلّوا طائرةً تقلّهم خارج البلاد.
وأوضح التحقيق أنّ الركاب لم يكونوا عاديين، بل من الصف الأول في حكومة الأسد الأمنية والعسكرية، وهم: قحطان خليل، مدير المخابرات الجوية، وعلي عبد الله أيوب، وعلي عباس، وزراء الدفاع السابقون، وعبد الكريم إبراهيم، رئيس الأركان المتهم بالإشراف على جرائم تعذيب ممنهجة، بحسب الصحيفة.
ولفت التحقيق إلى أنّ ليلة سقوط الأسد ليست مجرد هزيمة سياسية، بل تفككٌ سريعٌ لأحد أكثر أنظمة الشرق الأوسط تشابكًا من حيث القبضة الأمنية والعسكرية. فبعد فرار بشار الأسد إلى روسيا، تبعه اختفاء رجاله المقرّبين أيضًا، فمنهم من استقلّ طائراتٍ خاصة، ومنهم من لجأ إلى السفارة الروسية، حيث وفّرت لهم ممراتٍ آمنة إلى موسكو، بحكم العلاقة الوطيدة بين البلدين، ومجموعةٌ هربت عبر الساحل السوري باستخدام قوارب سريعة.
واللافت، وفق التحقيق، أنّ الهروب كان منسّقًا، واُستخدمت فيه جوازات سفرٍ مزوّرة، ومساعدةٌ من أطراف روسية وإيرانية، ما يؤكّد وجود خطة طوارئ مسبقة لهروب القادة في حال الانهيار.
تقول الصحيفة إنّه بعد السقوط، بدأت الحكومة السورية الانتقالية، إلى جانب منظماتٍ دولية، عمليةً لتعقّب الهاربين، مستفيدةً من وثائق تُركت في مقارّ الأجهزة، ومن شهادات بعض المنشقين. لكن مهمة تحقيق العدالة تبدو معقّدة، لأنّ الكثير من المتورّطين نجحوا في تغيير هوياتهم وشراء جنسياتٍ أجنبية مقابل استثماراتٍ مالية، خاصةً من دول الكاريبي، بينما وفّرت موسكو وطهران ملاذاتٍ آمنة لبعضهم.
ضمن التحقيق، تمكّنت الصحيفة من تحديد 55 شخصية بارزة من النظام السابق، بينهم:
- اللواء حسام لوقا، الذي فرّ بعد سرقة أموالٍ من مقرّه.
- كمال الحسن، الذي أُصيب أثناء الاشتباكات، ثم لجأ إلى السفارة الروسية.
- بسام حسن، أحد العقول المدبّرة وراء الهجمات الكيميائية، الذي وصل إلى لبنان ثم إيران، قبل أن يعود سرًّا إلى بيروت ضمن صفقةٍ مع الاستخبارات الأمريكية.
- ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع، يعيش في موسكو.
- كما أفاد تحقيق الصحيفة، أنّ بعضهم الآخر، مثل عمرو الأرمنازي، المدير السابق لبرنامج الأسلحة الكيميائية، لا يزال يعيش داخل سوريا دون أيّ ملاحقة تُذكر.
وأشار تحقيق الصحيفة بتفصيلٍ مثير: في آخر مقابلةٍ صحفيةٍ للأسد مع صحفيٍّ إيطاليٍّ قبل سقوطه بأسابيع، سُئل: “هل تخشى أن يأتي يوم تُحاسب فيه؟” فصمت للحظة، ثم ابتسم. لكن تلك الليلة أتت بعد شهورٍ فقط، لتكون الإجابة الواقعية على سؤال الصحفي.
تختتم الصحيفة تحقيقها بأنّ ما حدث ليلة السقوط لم يكن مجرد هروب أفراد، بل تفكك دولة، وذوبان لمنظومة سلطوية. لكن بقاءُ المتهمين طلقاء، وغياب الإرادة السياسية الحقيقية للمحاسبة، يطرح سؤالًا أكبر: هل سقط النظام حقًّا، أم أنّها ببساطة عمليةُ إعادة تموضع له؟
