في عالم السياسة والاقتصاد أيُّ قرارٍ يُتخَّذُ اليوم، ليس بالضرورة أن تظهر نتائجُهُ للعيان في التو واللحظة، فعندما فرضت الولاياتُ المتحدة عام ألفين وتسعة عشر عقوباتٍ على تركيا بموجب قانون كاتسا، والتي حرمتهم بالتالي من المشاركة في برنامج الطائرةِ الأكثرِ تطوّراً إف خمسةٍ وثلاثين، أكد المسؤولون في النظام التركي وعلى رأسهم رجب أردوغان، أن مصانع السلاح في تركيا لن تتأثر بهذا العقوبات وبهذا الإبعاد، وبيّن أن السلاح في تركيا سيكون محليَّ الصنع، وتفاخَرَ في كثيرٍ من الأحيان بالطائرة المقاتلة “كاان”، التي اعتبرها بديلةً لطائرة إف ستة عشر أمريكيةِ الصنع.
مناسبةُ المقدمةِ هذه، هي تصريحاتُ وزير خارجية النظام التركي حقان فيدان، التي أكد فيها أن صناعةَ الطائرة “كاان” متوقفةٌ حالياً، في انتظار المحركات الأمريكية، إذ كان من المخطط أن تدخلَ أولُ عشرين مقاتلةً الخدمة، في عام ألفين وثمانية وعشرين، على أن تُزوّد بمحركاتٍ أمريكية، من نوع إف مئةٍ وعشرة موقتاً، ريثما يكتملُ تطويرُ المحرك المحلي عام ألفين واثنين وثلاثين، وقد استَخدمَ النموذجُ الأولي المحركَ الأمريكي في تحليقه التجريبي.
المحركات الأمريكية التي قصدها فيدان، لم تورّد إلى تركيا منذ خضوعها لعقوباتٍ أمريكية، وذلك لشرائها منظمةَ الصواريخِ الروسية إس أربعمئة، ورغم كل النصائح والتحذيرات الأمريكية من هذه الخطوة، إلا أن النظامَ التركي آثرَ إكمالَ الصفقة مع روسيا، وهو ما جعل أنقرة تدفع الثمنَ عدة مرات.
تصريحات فيدان أعادت إلى الواجهة كذلك، صفقةَ تركيا مع إندونيسيا لبيع ثمانٍ وأربعين مقاتلةَ “كاان”، الموقّعة في تموز/يوليو الماضي، خلال معرض الصناعات الدفاعية في إسطنبول، وستُسلَّم المقاتلات عام ألفين واثنين وثلاثين، بمحركاتٍ محليةِ الصنع.
ويحذّر خبراءُ عسكريون أتراك، من أن استمرار العقوبات الأمريكية قد يؤدي إلى تعثُّر برنامج إنتاج وتطوير المقاتلة المحلية، الذي كلّف ملايين الدولارات، وبالتالي إساءةً لصورة تركيا في أسواق السلاح العالمية.
التصريحات هذه أشعلت أيضاً نقاشاً واسعاً في تركيا، فهي تعرضت للعقوبات بسبب شراء صواريخ إس أربعمئة الروسية، لكنها لم تَستخدمها حتى لا تُغضب الناتو، لهذا اتجهت لزيادةِ تمويل التصنيع المحلي، الذي يبدو أنه باتَ مُتعثراً، لأن أهم قطعةٍ في الطائرة ستأتي من واشنطن، وبالتالي حرمت أنقرة نفسَها من صواريخ روسيا، ومن طائراتِ ومحركاتِ أمريكا.

وحاولت رئاسة الصناعات الدفاعية في تركيا تلافي الحرج، الذي تسببت به تصريحات فيدان، فأصدرت بياناً طويلاً شدّدت فيه على أن الإنتاج المتسلسل، مُخطَّطٌ له على أساس المحركات المحلية، زاعمةً أن تطوير المحركات المحلية يسير وفق البرنامج.
بالمقابل، انتقدَ القيادي في حزب الشعب الجمهوري، نامق تان، المسؤولُ عن السياسات الخارجية للحزب، تصريحاتِ فيدان، مشيراً إلى أن الطائرة “كاان” لا يمكن أن تحلَّ مكانَ إف خمسةٍ وثلاثين بين ليلةٍ وضحاها، وأضاف تان أنه منذ نحو خمسة عشر عاماً، لم تُضَم أيُّ طائرةٍ جديدة إلى سلاح الجو التركي، بينما تمتلك إسرائيل مئتين وثمانٍ وسبعين طائرة، بينها ثمانٌ وثلاثون من طراز إف-خمسةٍ وثلاثين، مؤكداً أن الحديث عن صفقةِ يوروفايتر لا قيمةَ له.
هذا ويرى مراقبون أن أنقرة خسرت الصواريخَ الروسية، ولم تكسب الطائرات الأمريكية، بينما مشروع “كاان” يواجه مصيراً غامضاً، وهو ما قد يحوّله من ورقةِ قوةٍ إلى عبءٍ ثقيل على الاقتصاد والصناعة التركية، وهو ما يضع تركيا أمامَ فراغٍ استراتيجي في سلاحها الجوي، يفاقم ضعفَها أمام منافسين إقليميين، يمتلكون أحدث الطائرات القتالية.
