نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية تحليلاً مطولاً تناول مستقبل النفوذ الروسي في سوريا بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، على يد الفصائل المسلحة بقيادة “هيئة تحرير الشام”.
فقد ظنّ كثير من المراقبين أن سقوط الأسد، الذي حظي بدعم روسي كامل طوال تسع سنوات، سيكون بداية لتراجع موسكو عن المشهد السوري، خاصة وأن الصحف الروسية نعت سريعاً خسارة “حليف استراتيجي” في الشرق الأوسط.
لكن الواقع على الأرض أظهر أن موسكو لا تزال تحتفظ بوجودها العسكري الرئيسي، حيث تواصل تمسكها بقاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية على الساحل السوري، إضافة إلى تمركزها في مناطق شمال شرق البلاد.
ووفقاً لتحليل المجلة، سارع الدبلوماسيون الروس إلى فتح قنوات اتصال مع الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق، التي أبدت استعداداً للتعاون، على أمل الحصول على دعم اقتصادي في صورة طاقة وحبوب روسية، بالإضافة إلى دعم دبلوماسي في الأمم المتحدة وربما إمدادات عسكرية. كما تسعى الحكومة الجديدة إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية الفاعلة.
روسيا باقية ولكنها ليست اللاعب الأبرز
ورغم المخاوف الأوروبية من استمرار النفوذ الروسي، فإن فورين أفيرز ترى أن موسكو لن تكون من القوى الرئيسية التي ترسم مستقبل سوريا. فالانخراط الروسي في حرب أوكرانيا أضعف قدرتها المالية والعسكرية، مما يفتح المجال أمام دول الخليج وتركيا وربما الولايات المتحدة وأوروبا لتعزيز دورها في سوريا.
وعلى الجانب الآخر، نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” أن الحكومة الجديدة طالبت موسكو بتعويضات عن دعمها السابق للأسد، إلى جانب مطالبتها بتسليمه، بعد أن لجأ إلى روسيا. غير أن المجلة تستبعد استجابة الرئيس فلاديمير بوتين لهذا الطلب، خاصة بعد إصدار مذكرة اعتقال رسمية من قبل السلطات السورية بحقه، مشيرة إلى أن بوتين حريص على الحفاظ على صورته كحليف وفيّ للأنظمة الاستبدادية، وفقاً للصحيفة.
تغييرات في الخطاب الروسي
في تحول لافت، رصد تقرير المجلة توقف الإعلام الروسي عن وصف “هيئة تحرير الشام” كجماعة إرهابية. وفي يناير/كانون الثاني 2025، أثنى دبلوماسيون روس في الأمم المتحدة على أداء الحكومة الانتقالية، كما زار وفد روسي دمشق لاحقاً لإجراء مفاوضات شاملة شملت مستقبل الوجود العسكري الروسي في البلاد.
وأكدت فورين أفيرز في ختام تحليلها أن موسكو لن تتنازل بسهولة عن قواعدها الاستراتيجية في سوريا، وأنها ستستمر في الدفاع عن مصالحها، خصوصاً تلك المتعلقة بالموقع الجيوسياسي لسوريا على البحر الأبيض المتوسط.
وفي السياق ذاته، يشير تقرير صادر عن مركز “جسور للدراسات” إلى أن الوجود العسكري الروسي يهدف إلى تحقيق أهداف جيوسياسية أوسع، ما يعني أن موسكو تسعى لفتح صفحة جديدة مع الحكومة السورية الحالية، وإن كانت ضمن شروط تحفظ لها نفوذها الاستراتيجي في المنطقة.
