عائلات محشورة في السيارات، ودخان متصاعد في الأجواء، هكذا بدت مدينتا رأس العين وتل أبيض شمال شرقي سوريا، أمام الأعين وكاميرات وسائل الإعلام مع بداية هجمات النظام التركي وفصائله الإرهابية، في مثل هذا اليوم قبل عامين.
التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر 2019، تاريخ تغيرت فيه مفاهيم الحياة لدى سكان المدينتين، فرئيس النظام التركي رجب أردوغان زعم بأنه جاء بكل عتاد جيشه وكل عناصر فصائله الإرهابية ليخلق فيهما منطقة آمنة، وهما المدينتان اللتان كانتا تنعمان بأمن وأمان منذ دحر الإرهابيين منهما على يد وحدات حماية الشعب قبل سنين خلت.
أردوغان ومن والاه، انتظروا الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ليشنوا سلسلة من الغارات الجوية والقصف المدفعي المركز، مستخدمين شتى أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة دولياً، على مرأى ومسمع المجتمع الدولي.
انتهاكات الاحتلال التركي وفصائله الإرهابية تجاوزت حدود المدينتين لتصل إلى الطريق الدولي M4 الواصل بين محافظتي الحسكة وحلب، حيث أعدمت ميدانياً السياسية الكردية والأمين العام لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف، علي يد عناصر من فصيل “أحرار الشرقية” الإرهابي التابع لأنقرة، كما اغتيل عدد آخر من المدنيين خلال التوغل.
احتلال المدينتين كان الخطوة الأولى في مسلسل عمليات نهب ممنهجة لمنازل المدنيين الفارين من بطش جيش الاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة له، الذين اعتمدوا سياسة التغيير الديموغرافي فيهما، فهجروا سكانهما الأصليين، لتوطين عوائل التنظيمات الإرهابية.
عامان على احتلال المدينتين اللتين يتحول فيهما الليل إلى ساحة حرب يتقاتل فيها عناصر الفصائل الإرهابية التي كثرت مسمياتها، وتشابهت أفعالها، لتقاسم النفوذ حيناً، وللخلاف على ما تمت سرقته في النهار أحياناً أخرى.
وجه المدينتين تغير تماماً عما كانا عليه في السابق، فعمليات الخطف اليومي مقابل فدى مالية، بالإضافة إلى الانفلات الأمني، وانعدام سلطة القانون، وتدهور الوضع الاقتصادي، والتعدي على الملكيات الخاصة، وكذلك انعدام حقوق الأقليات الدينية، كل هذا بات اليوم السمة الأساسية التي تتصف بهما رأس العين وتل أبيض.
منظمة العفو الدولية ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا جمعت أدلة كثيرة تشير إلى أنّ جيش الاحتلال التركي وفصائله الإرهابية تجاهلوا بشكل مخزٍ الحياة المدنية، كما ارتكبوا انتهاكات جسيمة وجرائم حرب، وعمليات قتل للمدنيين، وهو ما وثقته كذلك منظمة هيومن رايتس ووتش في عدة تقارير لها عن الوضع الأمني في المدينتين.
احتلال المدينتين وأجزاء من ريفهما نتج عنه كوارث إنسانية، بشهادة الأمم المتحدة ومنظماتها، كما تسبب بنزوح ثلثي السكان، ودمار شبه تام في البنية التحتية ومقتل وإصابة المئات.
النازحون والمهجرون قسرياً من رأس العين وتل أبيض، الذين يسكن بعضهم في مخيمات أعدت من قبل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، فيما انتقل آخرون إلى مدينة الحسكة أو الرقة، ما زالوا مؤمنين بالعودة إلى ديارهم، وكلهم ثقة بأن الأيام مهما طالت فإن الملتقى سيكون في أرض آبائهم وأجدادهم.
