محمد هويدي: باحث سياسي سوري مقيم في السعودية
عندما ننظر إلى سوريا اليوم، نجد معظم مناطقها غارقة في صراعات معقدة، بين نزاعات طائفية ومذهبية، وصراعات إقليمية متشابكة. في هذا المشهد، تبرز منطقة شمال شرق سوريا كواحة استقرار نسبي، حالة استثنائية بين الفوضى. هذا الأمر يستحق أن نتوقف عنده ونفكر كيف نحافظ عليه، بدل أن نعتبره مجرد ظرف عابر.
من المهم أن نفهم أن الاستقرار النسبي في هذه المنطقة ليس نتيجة حظ، بل هو ثمرة جهود وتوازنات صعبة، وقدرة على إدارة خلافات محلية بطريقة تحمي الناس وتبعدهم عن ويلات الحرب. وإغراق هذه المنطقة في المزيد من الصراعات أو استغلالها كورقة ضغط بين قوى إقليمية ودولية سيكون خطأ كبيرا، قد يجرنا جميعا إلى مزيد من الفوضى.
السلطة المركزية في دمشق تواجه أزمات عميقة، ليست فقط سياسية أو أمنية، بل اقتصادية واجتماعية. في ظل هذه الظروف، تحميل الدولة عبء السيطرة الكاملة على شمال شرق سوريا، مع كل ما يصاحب ذلك من تحديات أمنية، هو أمر قد يفاقم الأمور بدل أن يحلها.
أما على صعيد النفوذ الإقليمي، فلا يمكننا تجاهل الدور التركي، الذي بات يدار بمنطق يخدم مصالح الأمن القومي التركي أكثر من استقرار المنطقة أو مصالح سكانها. لذلك، من الضروري أن تبقى هذه المنطقة بعيدة عن هذا النفوذ المباشر، كي لا تتحول إلى بؤرة نزاع جديد.
الأهم من كل هذا، أن سكان شمال شرق سوريا هم أصحاب الحق الأصيل في تقرير مصيرهم. لا يجوز أن نُعامل هذه المنطقة كرقعة على رقعة لعبة نفوذ جيوسياسية، بل كمجتمع يعيش حياة حقيقية، له تطلعاته وخصوصياته، يجب أن تُحترم وتُدمج في أي حل سياسي قادم.
الغائب الأكبر في هذه المعادلة هو الدور العربي. فقد ترك العرب الفراغ، وملأته قوى أخرى لا تحمل هموم السوريين. من المهم الآن أن تعود الدول العربية لتلعب دورا في دعم تسوية تضمن وحدة سوريا، وتحمي حقوق كل مكوناتها.
ختاما، فإن شمال شرق سوريا ليست مجرد مساحة جغرافية مستقرة نسبيا وسط فوضى عارمة، بل هي فرصة سياسية وإنسانية نادرة، تُذكّرنا بأنّ في قلب هذا البلد المُتعب ما زالت هناك مساحات تقاوم الانهيار الكامل وقادرة على البقاء
