من جديد تتهيأ الظروفُ لتنظيم داعش الإرهابي، من أجل الظهور وإعادة ترتيب الصفوف، بسبب أجواء عدم الاستقرار والفوضى الأمنية التي تعيشها سوريا اليوم، إذ لطالما كان القضاء على التنظيم الإرهابي عسكرياً فقط، فيما بقيت خلاياه النائمة تمارس انتهاكاتها، عند توافر الثغرات الأمنية في شمال شرق سوريا، المفتعلة حيناً من قبل النظام السوري السابق، أو من قبل الاحتلال التركي أحياناً أخرى، لزعزعة أركان الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، وتسهيل السيطرة على مناطقها.
في شمال وشرق سوريا تحديداً، حيث تم القضاء على تنظيم داعش الإرهابي في آخر معاقله بالباغوز في ريف دير الزور، على يد قوات سوريا الديمقراطية في آذار مارس 2019، اضطرت الإدارة الذاتية للتعامل مع ملفات آلاف المحتجزين من عناصر التنظيم الإرهابي المنحدرين من عدة جنسياتٍ مختلفة، حيث وضعتهم في عدة مراكز احتجازٍ متفرقة في المنطقة، منتظرةً المجتمعَ الدولي لإجراء محاكمةٍ دولية لهم.
وكثيراً ما أحدث الإرهابيون المحتجزون استعصاءاتٍ من أجل الفرار، لكن قوى الأمن الداخلي لشمال وشرق سوريا كانت تتمكن من ضبطها، إلا أن أخطرها ذاك الذي حصل في سجن الصناعة بالحسكة، والذي ساهم في إشعاله هجماتٌ لخلايا نائمة للتنظيم، قامت بتفجيراتٍ في محيط السجن مما خلق أجواءً من الفوضى، احتاجت من أجل ضبطها لتدخلٍ عسكري من قوات سوريا الديمقراطية، ودعمٍ من طيران التحالف الدولي.
أما عوائل التنظيم الإرهابي، فبقيت محتجزةً في مخيمي الهول وروج، مُشكّلةً قنبلةً موقوتة مع دوام بقائها في المنطقة لسنوات، واضطرار قوى الأمن الداخلي لإجراء عمليات تمشيطٍ في المخيمين بين الفينة والأخرى. لتعثُر في كل مرةٍ على حلقاتٍ إيديولوجية تنظمها الداعشيات للأطفال، مما اضطر الإدارة الذاتية مرةً أخرى لفصل الأطفال بمرحلة الأحداث العمرية في مراكزَ خاصة.
كما تم العثور مراتٍ عديدة، على أنواع مختلفة من الأسلحة ومحاولات لحفر أنفاق تساعد على الهروب داخل المخيمات، وبلغت خطورة نساء وأطفال داعش الموجودين في المخيمات، إلى التعرض للعاملين في المنظمات الإنسانية وارتكاب جرائم قتل بحقهم.
وعلى الرغم من خطورة ملف تنظيم داعش الإرهابي على الصعيدين الإنساني والدولي، إلا أن المتغيرات في المشهد السوري جعلت الاهتمام الدولي بهذا الملف يتراجع، في حين أنها متغيرات تحفز من نشاط الخلايا النائمة لداعش في المنطقة، وتزيد الأعباء الأمنية على الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا.
فمع سقوط نظام الأسد عقب إطلاق هيئة تحرير الشام وفصائلَ مسلحةٍ أخرى عمليةً تحت مسمى ردع العدوان، بدأت الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي باستغلال حالة الفوضى وشنت هجماتٍ على منطقة منبج شمال شرق سوريا، بدعم ومساندة من مسيرات الاحتلال التركي، مخلفة ضحايا مدنيين يعملون في المراكز الإدارية لإدارة منبج المدنية.
وإلى الآن لاتزال قوات سوريا الديمقراطية تحشد القوات من أجل ردع تقدم الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي، إذ لاتزال الهجمات متواصلةً إلى الآن، بعد أن ترافقت بتهديدات من النظام التركي باحتلال كوباني، المدينة التي تحمل رمزيةً عالميةً منذ أن هزمت داعش في 2015، ورسمت طريق البداية لإنهاء وجود التنظيم عسكرياً في المنطقة كلها.
مقاومة قسد على سد تشرين وجسر قرقوزاق لمنع الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي من التقدم، حمّلت قوى الأمن الداخلي عبء التصدي لخلايا داعش النائمة، التي ازداد نشاطها مؤخراً مستغلةً انشغال قسد.
ففي نهاية شهر ديسمبر من العام الفائت، استهدف عناصرُ من خلايا تنظيم داعش الإرهابي، حاجزاً لقِوى الأمن الداخلي بمدينة قامشلي شمال شرق سوريا، حيث صرّحت قوى الأمن الداخلي في بيان، إن عناصرَ من خلايا تنظم داعش الإرهابي، هاجموا بالقنابل اليدوية حاجزاً أمنياً لقواتهم في حي زنود بمدينة قامشلي، ما أسفر عن أضرار مادية.
وتزامن ذلك بتعرّض حاجز أمني على الطريق الواصلة بين مدينتي تل حميس والهول، لهجوم إرهابي من قبل عناصر من خلايا تنظيم داعش، ما أسفر عن فقدان عضو من قوات حُماةِ الجزيرة لحياته.
كما أعلنت السلطات الفرنسية في الوقت ذاته، أن قواتها الجوية نفذت ضربات استهدفت مواقع لخلايا تنظيم داعش الإرهابي داخل الأراضي السورية، وأكد وزير القوات المسلحة الفرنسية سيباستيان ليكورنو حينها، على ضرورة استمرار التعاون مع الشركاء الدوليين لضمان تفكيك الشبكات الإرهابية، التي لا تزال تشكل تهديداً للأمن العالمي.
وبحسب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، فقد شن عناصر من تنظيم داعش الإرهابي هجوماً على حشودٍ محتفلةً بنهاية العام، في مدينة نيو أورليانز الأمريكية خلال ديسمبر كانون الثاني الفائت، وأصدرت بخصوصه صحيفة واشنطن بوست تقريراً تحذيرياً، عن أن سقوط النظام السوري مثّل فرصةً جديدة لعودة تنامي قدرات وتأثير داعش في سوريا، بسبب ما تمر به البلاد من فراغ أمني.
ونوهت الصحيفة الأمريكية إلى أن أكبر نقاط الضعف حالياً في سوريا، تكمن في حماية معسكرات اعتقال عناصر التنظيم الإرهابي في شمال شرق سوريا، إذ يتم احتجاز ما يقرب من عشرة آلاف عنصر، وأكثر من ثلاثة أضعاف هذا العدد من العوائل والأطفال، في المخيمات التي تشرف عليها قوات سوريا الديمقراطية، موضحة أن مسؤولين أمريكيين حذروا من أن تصبح سوريا أرضاً خصبةً لجيل جديد من الإرهابيين.
ومنذ بداية العام الحالي ألقت قوى الأمن الداخلي، القبض على العديد من عناصر التنظيم الإرهابي في مناطق مختلفة من المنطقة، فيما نفذ التحالف الدولي ضربة جوية في منطقة الرصافة بالرقة، قضت فيها على متزعمٍ بارز في داعش، حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.
هذا وأطلقت قسد خلال عام 2024 فقط، ثمانيةً وتسعين عملية نتج عنها مَقتلُ سبعة عشر عنصرًا، بينهم ستة زعماءَ للتنظيم الإرهابي، وإلقاءُ القبض على مئتين وثمانية وسبعين عنصرًا، بالإضافة لمصادرة كمياتٍ كبيرةٍ من الأسلحة والذخيرة، والمواد التي تدخل في صناعة المتفجرات والعبوات الناسفة، فيما بلغت حصيلة هجمات التنظيم الإرهابي على المنطقة خلال 2024، مئةً وثلاث عشرة عمليةً إرهابية تم إحباط ثلاثٍ وأربعين منها.
وعلى الرغم من انشغال قسد بالتصدي لهجمات الاحتلال التركي وفصائله الإرهابية على مناطق شمال وشرق سوريا، إلا أنها تؤكد على الدوام التزامها بالعمل مع التحالف الدولي ضد داعش، حتى التخلص من خطر التنظيم الإرهابي والقضاء عليه.


